الثلاثاء، 30 نوفمبر، 2010

قراءة في كتاب وعاظ السلاطين


كتاب وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي هو عبارة عن نظرة تحليلية في الفكر الأسلامي في ضوء المنطق الحديث. الكتاب (جيد) بشكل عام وسهل القراءة. لدي الكثير من التساؤلات حول صحة بعض الأدلة التي استشهد بها الكاتب في بعض نقاطه، لأني ارى أولاً بأن دراسة التاريخ (خاصة التاريخ الأسلامي) مليئة بالكثير من الرويات المشكوك في صحتها، وثانياً ارى بضرورة دراسة المكان والزمان والحالة الاجتماعية لفهم اي حدث تاريخي في السابق. وهما نقطتان في الحقيقة تحدث عنهم الدكتور الوردي لكني ارى غياب تطبيقه لهما في بعض النقاط. على اية حال، هذا أول كتاب قرأته للدكتور الوردي وسيكون بوابة للقراءة في العديد من كتبه الأخرى.

يتحدث الكتاب عن عدة نقاط رئيسية: الوعظ والصراع النفسي، الوعظ وازدواج الشخصية، الوعظ وإصلاح المجتمع ثم يتطرق بعدها لشخصيات وقضايا تاريخية كـ(مشكلة السلف الصالح، وعبدالله بن سبأ، وقضية الشيعة والسنة،...)
اليكم تلخيص بعض فصول الكتاب:

الفصل الأول: ( الوعظ والصراع النفسي)
ينتقد الكاتب اسلوب الوعظ الأفلاطوني الذي يدعو الانسان إلى كماليات تتناقض مع طبيعته البشرية، مما يؤدي به إلى ازدواجية الشخصية ، فهو يشعر بأن عليه ان يداري الواعظ لكي لا يشعر بالذنب، وفي نفس الوقت، فأنه يشعر بحاجة لمسايرة نفسه ورغباتها الطبيعية.  وهنا يتطرق الدكتور الوردي إلى نقطة جميلة وهي: أن الوعظ المجرد الذي لا تتخلله دراسه تحليلية للأنسان وحالته، وعاداته السابقه، فأنه وعظ لا يؤدي إلى تغيير حقيقي، وأنما إلى حالة شعورية فقط، تنتهي بأنتهاء الواعظ من الكلام.
يقول الدكتور الوردي: "والمشكلة الكبرى آتيه من كون الإنسان لا يستطيع أن يترك عاداته واعتباراته القديمة بإرادته واختياره. فهذه العادات والاعتبارات مغروزة في أعماق عقله الباطن، ولذا فهو يتأثر بها ويندفع بتيارها اندفاعاً لا شعورياً لا سيطرة للتفكير أو المنطق أو الإرادة عليه"

الفصل الثاني: (الوعظ وازدواجية الشخصية)
يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن ازدواجية الواعظ نفسه، فهو أولاً يستخدم مهنة الوعظ كمكانة أجتماعية وفي نفس الوقت، فهو يدعو إلى قيم وكماليات لا يقوم بها أصلاً. فالواعظ مثلاً في الدولة العباسية، يدعو إلى قطع يد كل سارق، لكنه في نفس الوقت، يقبل يد السلطان العباسي الذي ينهب اموال المسلمين. فالواعظ، لا يمارس مهنته إلا على الضعفاء والمساكين، الذين لا سلطان لهم ولا معين، ويترك السلطان يلعب بفسقه ومعصيته.

الفصل الثالث: ( الوعظ واصلاح المجتمع)
يؤمن الدكتور الوردي بأن اسلوب الوعظ الأفلاطوني هو اقل الاساليب فعالية في إصلاح المجتمع، فالواعظ الذي يفتقر إلى قدرته التحليليه، ويمتاز بقدرته الكلاميه، يصنع حالة تناقض في المجتمع. يقول الوردي: "أما وعاظنا فقد أنذروا بعذاب الله كل من يحب أو يرقص حت لو كان كالطير.. يرقص مذبوحاً من الألم. وتراهم يأمرون الناس بالتزام الوقار والسكينة وخمود الأنفاس- غير دارين بأن هذا الوقار المصطنع سوف يخفي وراءه رقصاً نفسياً من طراز خبيث"

الفصل الرابع: (السلف الصالح)
يقول الدكتور الرودي: "يريد الواعظون أن يرجعوا أن يرجعوا بالأمة إلى صدر الإسلام, وهذا منطق سخيف حسب تعبيره. فالمسلمون نجحوا ثم فشلوا وليس لنا إلا أن ندرس عبرة النجاح والفشل في تاريخهم لكي نتعض بها .المسلمون الأولون كانوا بشراً كغيرهم من الناس لاملائكة من الله إذ تنطبق عليهم النواميس الإجتماعية وتجرفهم في تيارها أرادوا ذلك أم كرهوا."   وهنا يتحدث الكاتب عن طريقة استخدام (السلف الصالح) لدى الكثير من الوعاظ، فالواعظ يطالب الناس بالتشبه والامتثال للسلف الصالح الذي يتسم بالكمال المطلق، وهنا يشعر الناس بفجوة بين واقعهم وواقع السلف الصالح، وذلك لأنهم يشعرون بأن السلف الصالح ملائكة من الله، يختلف واقعهم عن واقعنا اليوم.

الفصل الخامس: (عبدالله ابن سبأ)
يعتقد الدكتور الوردي بأن عبدالله بن سبأ هو شخصية وهمية، لا حقيقة لها في التاريخ، وانما صنعها المخترعون لحاجة في أنفسهم، او لكي يضعو على عاتقه الاتهامات والفساد. يعتقد الدكتور الوردي : " إن عبدالله بن سبأ موجود في كل زمان ومكان. فكل حركة جديدة يكمن وراءها ابن سبأ. فإن هي نجحت اختفى اسم ابن سبأ من تاريخها وأصبحت حركة فضلى. أما إذا فشلت فالبلاء نازل على رأس ابن سبأ.. وانهالت الصفعات عليه من كل جانب"


الفصل الحادي عشر: (قضية الشيعة والسنة) 

يتحدث الدكتور الوردي في هذا الفصل عن قضية حساسة في العالم العربي، وهي قضية الشيعة والسنة. الدكتور علي الوردي يرى بأن النزاع بين الطائفتين، هو نزاع على المقاييس أكثر منه نزاعاً على الحقائق. وهو يرى بأن الصراع نشأ لتحقيق أهداف سياسية بحته، فالسلطان، حينما يشغل العامة بأمور الاختلاف، فأنهم لا يمتلكون الوقت لمكاشفة اخطائه وفسقه.  يقول الدكتور الرودي:"إن رجال الدين من الشيعة وأهل السنة يتنازعون على أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء. فكل فريق ينظر إلى مساوئ خصمه، وكل حزب بما لديهم فرحون. قد يستغرب القارئ، إذا علم بأن كلتا الطائفتين كانتا في أول الأمر من حزب واحد، وإن الذين فرقوا بينهما هم السلاطين ووعاظ السلاطين"




اقتباسات اخترتها من الكتاب:
"إن المرضى الذين عالجهم فرويد كان أغلبهم من النساء. وقد وجد فرويد أن سبب ذلك يعود إلى أن المرأة كانت في ذلك الحين  واقعة بين دافعين متعاكسين. فهي كانت تؤمن بأن الرغبة الجنسية إثم كبير بنما هي كانت، من الجهة الأخرى، مندفعة نحو إشباع تلك الرغبة اندفاعاً لا شعورياً عنيفاً"

"إن كل فجوة نفسية بين الحاكم والمحكوم تؤدي حتماً إلى الثورة مالم تستأصل في وقت قريب" 

"كان الناس في ذلك الحين مصابين بداء الصراع النفسي بشكل عنيف. فهم كانوا بدواً في أعماق نفوسهم. وكان يطالبون الحكام بإتباع تعاليم الإسلام. وبعبارة أخرى: كانت قلوبهم بدوية وألسنتهم اسلامية. فكانوا يطالبون الحاكم بالعدل والماساوة بينما هم كانو في واقع أمرهم كغيرهم من أبناء القبائل أولي كبرياء وتفاخر بالأنساب والأحساب. وكان الفرد آنذاك يحتج على الحكام بالحجة الدينية ثم يثور عليهم بالسيف البدوي." 

"إن الأمصار التي أسسها العرب في صدر الإسلام كانت، كما أشار البروفسور جب، موطناً لنوعين: فاتحين يحملون السيف، وواعظين يحلمون القرآن."

"إن قولك للظالم أن يكون عادلاً كقولك للمجنون أن يكون عاقلاً."

"أن الزعامة ظاهرة اجتماعية، تنبعث من المجتمع وتنمو به. ولن تجد زعيماً يظهر في مجتمع لا يقدره."

"إن السبب والنتيجة يتفاعلان هنا تفاعلاً متسلسلاً- على حد تعبير علماء الذرة. وإذا أردت أن تفهم سر الزعامة في أحد الرجال، فاسأل عن شخصيته من جهة وعن تقدير الناس له من الجهة الأخرى."

"إن الوعظ يجعل الناس شديديين في نقد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من أفواه الواعظ عالية جداً. وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجأون إلى تطبيقها على غيرهم، ولذا يكون نقدهم شديداً"


"أن المنطق الحديث يدعي (منطق التناقض). فكل شيء يحمل نقيضه في صميم تكوينه. وهو لا يكاد ينمو حتى ينمو نقيضه معه. وبذا يصير الشر خيراً بمجرد نموه وتحركه"

"إنها في الحقيقة مشكلة ذات حدين، أو هي (Dilemma) كما يسميها علماء الاجتماع. فالمجتمع البشري واقف بين أمرين متناقضين. فهو إما أن يسير في طريق الخضوع والجمود أو يسير في طريق الخلاف والتجدد. والمجتمع الناجح هو ذلك المجتمع الذي أستطاع ان يجد له طريقاً وسطاً، إذ يسمح لقوى التجديد بالافصاح عن نفسها بطريقة سلمية هادئة. وهذا ماتحاول الأمم الحديثة ان تسير عليه.."

"فليس من المعقول أن ينفي  الانسان قلبه فجأة من العقد النفسية والقيم الاجتماعية، ويصبح ملاكاً طاهراً بمجرد قوله: لا إله إلا الله."

"يشرع البرفسور نيكلسون بالبحث قائلاً: (... إن سلوك الأمويين الغير الديني أثار سؤالاً حول ماإذا كان الأمويين الذين دخلو الاسلام في الساعة الحادثة عشر لا يزالون وثنيين في أعماق قلوبهم؟)"

"أن دين المواساة الذي جاء به محمد بن عبد الله، دفن مع علي بن أبي طالب في قبره."

"يقول المؤرخين أن الجيش الأموي الفاتح عندما دخل المدينة بعد واقعة الحره أباحها ثلاثة أيام (فاستعرض أهل المدينة بالسيف جزراَ كما يجزر القصاب الغنم حتى ساخت الأقدام في الدم وقتل أبناء المهاجرين واأنصار)"

"ولكن التفاضل بين الأشخاص لا يقاس بمقياس واحد. فرب غالب في مقياس هو مغلوب في مقياس آخر. ومشكلة بعض الباحثيين أنهم يدرسون التاريخ في ضوء المنطق القديم الذي يؤمن بالحقيقة والمقياس المطلق."

"ويصح أن نقول: بأن جدل الباحثيين هو جدل في المقاييس والقيم أكثر مما هو جدل في الحقائق والفضائل."

"إننا نظلم علياً حين نقيسه بمقياس معاوية. فمعاوية رجل من دهاقين السياسة ودهاتها. ولنا أن نفضله على غيره حسب هذا المقياس. أما علي فكان له مقياس آخر يختلف عن مقياس معاوية أختلافاً أساسياً."

"يعتقد ماربين، المستشرق الألماني، أن الحسين أراد بخروجه النصر الآجل الذي يأتي بعد الموت، فالحسين قد أدرك صعوبة النصر العاجل في حياته فآثر أن يستشهد لكي ينال النصر بعد وفاته."

"يقول (ابن خلدون): "أن الحسين غلط في أمر خروجه على حكم يزيد الذي كان مؤيداً بعصبية قريش" وابن خلدون يستند في هذا على نظريته الاجتماعية في العصبية. فهو يعتقد أن الحق من غير قوة تسنده لا خير فيه. والواجب على صاحب الحق، في نظر ابن خلدون، ان ينظر في قوته وعصبيته فإذا وجدها كافية نهض بها. أما إذا كانت غير كافية فالسكوت عليه  واجب."

يقول العقاد: "انهزم الحسين في يوم كربلاء وأصيب هو وذووه من بعده. ولكنه ترك الدعوة التي قام بها ملك العباسيين والفاطميين، وتعلل بها أناس من الأيوبيين والعثمانيين، واستظل بها الملوك والأمراء بين العرب والفرس والهنود، ومثل للناس في حلة من النور تخشع الأبصار. وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تورايخ بني الانسان. 

"أن الحق والباطل، في نظر المنطق الحديث، أمران اعتباريان، والنزاع فيهما هو في أساسه نزاع على المقاييس أكثر منه نزاعاً على الحقائق"






ملاحظة : الكتاب جريء ويتجاوز بعض الخطوط الحمراء فيما يتعلق ببعض الحقائق للمذهبين السني والشيعي. تلخيصي للكتابة لا يعني بأني متفق مع الكاتب في كل النقاط التي طرحها. هنالك الكثير من الآراء التي اراها سطحية جداً في الكتاب، وناقصة، وهناك العديد من القضايا التي اراها جميلة ودقيقة. 

ليست هناك تعليقات: