الجمعة، 26 نوفمبر 2010

قراءة في كتاب بدايات


هل فكرت بالماضي البعيد جداً من قبل؟ اعني هل تساءلت يوماً ما: كيف كانت حياة اجدادك، وكيف تزوجك جدك بجدتك وماهي اجمل الذكريات واتعسها في ماضيهما، وماهي المواقف التي اضحكت اباك، او ابكت امك!
في كتاب بدايات، يأخذك أمين معلوف في رحلة استكشافية طويلة إلى الماضي، فتتعرف على تاريخ أهله، وذكرياتهم الجميلة والحزينة في لبنان، وكوبا والأمركيتين. الكتاب جيد ومكثف بالمعلومات الدقيقة، ادهشني أمين معلوف في قدرته البحثية والتعبيرية خاصة عن سيرة عائلته التاريخية ، وزرع في روحي الفضول للغوص والتعرف على تاريخ عائلتي، والتنقيب عن الذكريات. 
اول مائة صفحة من الكتاب مرهقة ، وقد لا تستطيع إكمال قراءتها، لكن بعدها ستكتشف متعة في التعرف أكثر وأكثر عن تاريخ عائلة ال معلوف.

اليكم مقاطع اعجبتني من الكتاب:

"غيري قد يتحدث عن "الجذور"... تلك ليست مفرداتي، فأنا لا أحب كلمة "جذور"، وأقله صورتها. فالجذور تتوارى في التربة، تتلوى في الوحل، تنمو في الظلمات؛ تبقي الشجرة أسيرة، منذ ولادتها، وتغذيها لقاء ابتزاز: "لو تحرّرت، تموتين!

"أنا أنتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء بحجم الكون. مواطننا نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ أو سفن كل ما يصل بيننا، وراء الأجيال، ووراء البحار، ووراء بابل اللغات، رنين اسم...".


هل يعني ذلك أنني لا أشتاق إلى جبلي؟ بلى، أشتاق إليه بالتأكيد، يشهد الله! ولكم ثمة علاقات حب تقوم على الإشتياق والبعاد، فطالما نحن في الغربة، بوسعنا أن نلعن الفراغ، ونعيش يحدونا الأمل بأن التلاقي يكفينا، وفور عودتنا، تتجلى الحقيقة: فالمسافة كانت تصون الحب، ولو ألغيناها، جازفنا بإلغاء الحب. 

لدينا وجهان على الدوام، وجه نقلد به أسلافنا، ووجه نقتبس به الغرب. 

فاعلم ياصديقي أن أبناء الشرق قد نظروا إلى الغرب بعد أن بلغ من المدنية والعمران شأواً مفيداً، وظنوا أن علة ذلك التقدم هو ماتوصلوا إلى معرفته من عوائد بعض الغربيين كالتأنق في إعداد الطعام، وتزيين المقام، وترتيب الزهور على الصدور، وتصفيف الطرر فوق الغرر، وإكثار النزهات، والمطالبة بالزيارات، وركوب العجلات، وكتابة الأسماء الرقع بالحرف الإفرنجي،، ظانين أنه باتباع كل عادة غريبة كيف كانت يصعدون درجة من مدارج الكمال ويدركون سراً من أسرار النجاح، وهم لا يعتقدون أنه يوجد بين الغربيين حكماء وسفهاء، ومصلحون ومفسدون، وأفاظل وأسافل، ليختبروا كلاً منهم، ويعلمون من هم الذين يحسن الأخذ عنهم والتعلم منهم....

من المعلوم يا أبناء وطني الكرام أنه قدم مرت علينا أيام طوال وشعوب الأرض تنظر إلينا نظر الاستخفاف والازدراء، وترمينا بضعف العزائم وسفالة الأخلاق. كانت تنظر إلى تقدمها وتأخرنا، إلى عزها وذلنا، إلى ارتقائها وانحطاطها، وتلومنا على القصور لوماً لا يطاق. ولكن قد كان لنا يومئذ من نوع الحكومة السابقة ما نعتذر به بعض الاعتذار، وندفع به عن أنفسنا بعض التهم. كان لنا من الحكم الاستقلالي إصبع نختبئ وراءه. ومن اسم الاستبداد غربال نستر به خمولنا. أما الآن وقد زال ما كان وكان مالايزول، قد انجلى ليل الاستبداد المدلهم، وأشرقت شمس الحرية الساطعة الأنوار، فكأني بأولئك الشعوب قد وقفوا لنا في المرصاد، وحدقوا إلينا بالأبصار، وقالو قد فُك الشعب العثماني من أسره، وزال ماضي عذره، فلنر ماذا يكون من أمره، حتى اذا مصى علينا شط الزمان، ولم نبلغ مبلغهم من العمران، أنزلونا عن مرتبة الإنسان، وثبت عندهم أننا لم نخلق لغير الهوان، وأغاروا على أموالنا ومصالحنا يبتلعونها كالحيتان.

قد يقول بعضهم: "وما إذاً؟ فلندع الأموات، كما يقول تعبير مبتذل، يدفنون الأموات، وللنصرف إلى حياتنا!

يمكن أن تروي سيرة أهلي تماماً على النحو التالي: يموت الأجداد، ومن ميتاتهم البعيدة، يموت أحفادهم بدورهم. هل تولدُ الحياة، الحياة؟ لا، بل الموت يولدُ الموت- لطالما كان ذلك عندي، وعندنا قانون الأصول الأبكم

كان أحد مبادئ جدتي أن السلطة لا يجب ان تمارس في الثرثرة، بل في الصمت، أو على الأقل بأقل قدر ممكن من الكلمات

ليست هناك تعليقات: