الخميس، 4 نوفمبر، 2010

قراءة في رواية عزازيل



عزازيل من أجمل الروايات التي قرأتها هذه السنة. أنهيتها في قضون عشرة أيام. مؤلف الرواية، يوسف زيدان، يقدم لك بحثاً تاريخياً وفلسفياً بصورة قصصية ممتعة للغاية. قد يبدو عنوان الرواية غريباً بعض الشيء، فـ"عزازيل" تعني الشيطان في الديانة المسيحية واليهودية. تتحدث الرواية عن الراهب المصري (هيبا) والذي عاش في أواخر القرن الخامس الميلادي من التاريخ المسيحي فتجري احداثها حول احداث تاريخية ممتعة كصراع (نسطور) اسقف القسطنطينية مع (كيرلس) أسقف الأسكندرية، وسقوط (هيباتيا) العالمة والفيلسوفة على أيدي المسيحيين المتعصبين.

يأخذك الكاتب بطريقة سحرية إلى اماكن جغرافية وتاريخية ويعرفك على تفاصيل دقيقة حول احداث لم تعري لها انتباهاً من قبل. عندما قرأت الرواية، شعرت بأني هيبا وشعرت بحيرته وتناقضاته تتمثل أمام عيناي، وتخيلت تماماً صراعه الدائم مع عزازيل ومع نفسه. الرواية رائعة بحق، وأنصح بقرائتها بلا شك. 

هذه بعض المقاطع التي أعجبتني في الرواية: 

لا أعرف كيف اندفعتُ فجأةً، فقلتُ بلا روية مقاطعاً تأملات الأسقف لا ياأبتِ، ثالوث أفلوطين فلسفي، هو عنده: الواحد والعقل الأول، والنفس الكلية، والثالوث في ديانتنا سماوي رباني: الآب والابن وروح القدس وشتان بين الأثنين. 

تُرى هل طرد الله آدم من الجنة لأنه عصى الأمر. أم لأنه حين عرف سر أنوثة حواء، أدرك رجولته واختلافه عن الله، مع أنه خلقه على صورته.

لفتني بحضنٍ عميق يسعني ويسعُ كل ذكرياتي، بكل مافيها من الآم دفينة وأفراح قليلة. كان حضنها يسع العالم كله. همست في أذني بما معناه أنني لم أعتد عليها بعد، وأن زماننا الآتي كفيلٌ بذلك. كانت أنفاسها لحظتها، تدفئ صدري، وشفتاها المتوهجان تمران على عنقي، فتلهبانه توقاً إليها. 

عزازيل: "ياهيبا، قلت لك مراراً إنني لا أجيء ولا أذهب. أنت الذي تجيء بي، حين تشاء. فأنا آتٍ إليك منك، وبك، وفيك. إنني أنبعثُ حين تريدني لأصوغ حلمك، أو أمد بساط خيالك، أو أقلب لك ماتدفنه من الذكريات. أنا حامل أوزارك وأوهامك ومآسيك، أنا الذي لا غنى لك عنه، ولا غنى لغيرك. وأنا الذي..."

الأعتراف طقسٌ بديع، يطهرنا من خطايانا كلها، ويغسل قلوبنا بماء الرحمة الربانية السارية في الكون. سأعترف إلى هذه الرقوق، ولن أُخفي سٍراً، لعلني من بعد ذلك أنجو.

الحياة ظالمةُ. فهي تمتدُ بنا وتُلهينا، ثم تُذهلنا عنا وتغيرنا، حتى نصير كأننا غيرنا. 

بلفظٍ رقيقٍ سألتها وهي في حضني، إن كانت تظل تحبني مهما جرى! مازالت إجابتها ترنُ في باطني، وتتردد أصداؤها: مهما جرى ياحبيبي، وسوف أقضي عمري كله بجانبك، راعية لك، يا أملي الوحيد، فقد انتظرتك طويلاً وحلمت بك كثيراً،، ولن أجد لنفسي أفضل منك أبداً. 

الشكوك كانت تملأ نفسي تجاه ماورد في أسفار التوراة الخمسة. ولكن مهما كان، فلا يجوز لإنسان إهانة عقائد غيره من الناس، وإلا لهانت كل الاعتقادات وأُهينت، ولم يصح أي دينٍ لأي إنسان. 

أخذتُ التفاحة متردداً، فرفعت أوكتافيا بها يدي نحو فمي، كنتُ لحظتها أفكر في سفر التكوين. قضمتُ من تفاحتها قطعةً صغيرة، وقد اجتاحني شعورٌ جارف بأنني آدم الذي أغوته امرأته، وخدعه عزازيل اللعين، فأورثنا من بعده خطية العصيان الأولى.. الخطية الأولى؟ طافت بذهني الآيات التوراتية المشهورة، التي لا يمكن أن يصدقها غيرنا. وتوالت على قلبي الأسئلة: لماذا أمر الرب آدم بالابتعاد عن شجرتي المعرفة والخلود؟ ولماذا انزعج الربُ لما أكل آدم من شجرة المعرفة؟ فقل في نفسه، بحسب ماهو متكوبٌ في سفر التكوين: هو ذا الٍإنسان فقد صار كواحدٍ منا، عارفاً الخير والشر. والآن لعله يمدُ يده، ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً، فيصير خالداً. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليحرث في الأرض التي أُخذ منها. طر الرب الإله الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن ملائكةً ولهيب سيف متقلب، ليحرس طريق شجرة الحياة..

لماذا أراد الله أولاً، أن يبقى الإنسان جاهلاً؟ وهل المعرفة التي أدركها آدم، هي تمهيدٌ لإدراكه الخلود؟ ومن هم أولئك الذي قال الرب إنه واحدٌ منهم؟ وهل لو بقي آدم وحواء جاهلين، كانا سيخلدان في الجنة؟ كيف يصح الخلود مع الجهل والغفلة عن الطبيعة؟ وما الذي عرفناه بالضبط حين أكلا من الشجرة؟

أتراني أُعيد فعلة آدم، فأغضبُ الرب، فيعيدُ الطرد؟،، من أين، وإلى أين سيطردني، أنا الطريد منذ سنين،، ولا أين لي، ولا كيف!

للصلاة فعلٌ كالسحر. فهي مراحٌ للأرواح، ومستراحٌ للقلب المزحون، وكذلك القُداسات التي تغسلنا من همومنا كلها، بأن تلقيها من كاهلنا إلى بساط الرحمة الربانية، فنرتاح إلى حين. 

تعجبتُ من البساطة التي قص بها الفتى حكايته، من دون أي أسفٍ أو خجل؛ كأنه يقصُ واقعة عادية، من شأنها أن تحدث لأي شخص.. كان ذلك هو الدرس الأول الذي تعلمته في هذا الدير، وأفادني كثيراً على نحوٍ خفي. لا ينبغي أن نخجل من أمرٍ فُرض علينا، مهما كان، مادمنا لم نقترفه.

لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام، عن إنسانٍ لا يستطيع التعبير عن ألمه. 

كل الكائنات تحبُ النزول وتبتهج له، إلا الإنسان الذي يخدعه وهمهُ وتحدوه أحلامه، فيبهجه الصعودُ والترقي. 

الحمار لا  يمكن بحال أن يكون غبياً، هو صبورٌ بطبعه. وقد يبدو الصبرُ غباءً أحياناً، وجُبناً أحياناً. يبدو أنني قضيتُ عمري حِمارًا!


هناك تعليق واحد:

mona zahrani يقول...

فعلا رواية عزازيل من اجمل الروايات اللي استمتعت بقرائتها
انا شاكرة لصديقتي انها اهدتني ياها..