الثلاثاء، 30 نوفمبر، 2010

قراءة في كتاب وعاظ السلاطين


كتاب وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي هو عبارة عن نظرة تحليلية في الفكر الأسلامي في ضوء المنطق الحديث. الكتاب (جيد) بشكل عام وسهل القراءة. لدي الكثير من التساؤلات حول صحة بعض الأدلة التي استشهد بها الكاتب في بعض نقاطه، لأني ارى أولاً بأن دراسة التاريخ (خاصة التاريخ الأسلامي) مليئة بالكثير من الرويات المشكوك في صحتها، وثانياً ارى بضرورة دراسة المكان والزمان والحالة الاجتماعية لفهم اي حدث تاريخي في السابق. وهما نقطتان في الحقيقة تحدث عنهم الدكتور الوردي لكني ارى غياب تطبيقه لهما في بعض النقاط. على اية حال، هذا أول كتاب قرأته للدكتور الوردي وسيكون بوابة للقراءة في العديد من كتبه الأخرى.

يتحدث الكتاب عن عدة نقاط رئيسية: الوعظ والصراع النفسي، الوعظ وازدواج الشخصية، الوعظ وإصلاح المجتمع ثم يتطرق بعدها لشخصيات وقضايا تاريخية كـ(مشكلة السلف الصالح، وعبدالله بن سبأ، وقضية الشيعة والسنة،...)
اليكم تلخيص بعض فصول الكتاب:

الفصل الأول: ( الوعظ والصراع النفسي)
ينتقد الكاتب اسلوب الوعظ الأفلاطوني الذي يدعو الانسان إلى كماليات تتناقض مع طبيعته البشرية، مما يؤدي به إلى ازدواجية الشخصية ، فهو يشعر بأن عليه ان يداري الواعظ لكي لا يشعر بالذنب، وفي نفس الوقت، فأنه يشعر بحاجة لمسايرة نفسه ورغباتها الطبيعية.  وهنا يتطرق الدكتور الوردي إلى نقطة جميلة وهي: أن الوعظ المجرد الذي لا تتخلله دراسه تحليلية للأنسان وحالته، وعاداته السابقه، فأنه وعظ لا يؤدي إلى تغيير حقيقي، وأنما إلى حالة شعورية فقط، تنتهي بأنتهاء الواعظ من الكلام.
يقول الدكتور الوردي: "والمشكلة الكبرى آتيه من كون الإنسان لا يستطيع أن يترك عاداته واعتباراته القديمة بإرادته واختياره. فهذه العادات والاعتبارات مغروزة في أعماق عقله الباطن، ولذا فهو يتأثر بها ويندفع بتيارها اندفاعاً لا شعورياً لا سيطرة للتفكير أو المنطق أو الإرادة عليه"

الفصل الثاني: (الوعظ وازدواجية الشخصية)
يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن ازدواجية الواعظ نفسه، فهو أولاً يستخدم مهنة الوعظ كمكانة أجتماعية وفي نفس الوقت، فهو يدعو إلى قيم وكماليات لا يقوم بها أصلاً. فالواعظ مثلاً في الدولة العباسية، يدعو إلى قطع يد كل سارق، لكنه في نفس الوقت، يقبل يد السلطان العباسي الذي ينهب اموال المسلمين. فالواعظ، لا يمارس مهنته إلا على الضعفاء والمساكين، الذين لا سلطان لهم ولا معين، ويترك السلطان يلعب بفسقه ومعصيته.

الفصل الثالث: ( الوعظ واصلاح المجتمع)
يؤمن الدكتور الوردي بأن اسلوب الوعظ الأفلاطوني هو اقل الاساليب فعالية في إصلاح المجتمع، فالواعظ الذي يفتقر إلى قدرته التحليليه، ويمتاز بقدرته الكلاميه، يصنع حالة تناقض في المجتمع. يقول الوردي: "أما وعاظنا فقد أنذروا بعذاب الله كل من يحب أو يرقص حت لو كان كالطير.. يرقص مذبوحاً من الألم. وتراهم يأمرون الناس بالتزام الوقار والسكينة وخمود الأنفاس- غير دارين بأن هذا الوقار المصطنع سوف يخفي وراءه رقصاً نفسياً من طراز خبيث"

الفصل الرابع: (السلف الصالح)
يقول الدكتور الرودي: "يريد الواعظون أن يرجعوا أن يرجعوا بالأمة إلى صدر الإسلام, وهذا منطق سخيف حسب تعبيره. فالمسلمون نجحوا ثم فشلوا وليس لنا إلا أن ندرس عبرة النجاح والفشل في تاريخهم لكي نتعض بها .المسلمون الأولون كانوا بشراً كغيرهم من الناس لاملائكة من الله إذ تنطبق عليهم النواميس الإجتماعية وتجرفهم في تيارها أرادوا ذلك أم كرهوا."   وهنا يتحدث الكاتب عن طريقة استخدام (السلف الصالح) لدى الكثير من الوعاظ، فالواعظ يطالب الناس بالتشبه والامتثال للسلف الصالح الذي يتسم بالكمال المطلق، وهنا يشعر الناس بفجوة بين واقعهم وواقع السلف الصالح، وذلك لأنهم يشعرون بأن السلف الصالح ملائكة من الله، يختلف واقعهم عن واقعنا اليوم.

الفصل الخامس: (عبدالله ابن سبأ)
يعتقد الدكتور الوردي بأن عبدالله بن سبأ هو شخصية وهمية، لا حقيقة لها في التاريخ، وانما صنعها المخترعون لحاجة في أنفسهم، او لكي يضعو على عاتقه الاتهامات والفساد. يعتقد الدكتور الوردي : " إن عبدالله بن سبأ موجود في كل زمان ومكان. فكل حركة جديدة يكمن وراءها ابن سبأ. فإن هي نجحت اختفى اسم ابن سبأ من تاريخها وأصبحت حركة فضلى. أما إذا فشلت فالبلاء نازل على رأس ابن سبأ.. وانهالت الصفعات عليه من كل جانب"


الفصل الحادي عشر: (قضية الشيعة والسنة) 

يتحدث الدكتور الوردي في هذا الفصل عن قضية حساسة في العالم العربي، وهي قضية الشيعة والسنة. الدكتور علي الوردي يرى بأن النزاع بين الطائفتين، هو نزاع على المقاييس أكثر منه نزاعاً على الحقائق. وهو يرى بأن الصراع نشأ لتحقيق أهداف سياسية بحته، فالسلطان، حينما يشغل العامة بأمور الاختلاف، فأنهم لا يمتلكون الوقت لمكاشفة اخطائه وفسقه.  يقول الدكتور الرودي:"إن رجال الدين من الشيعة وأهل السنة يتنازعون على أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء. فكل فريق ينظر إلى مساوئ خصمه، وكل حزب بما لديهم فرحون. قد يستغرب القارئ، إذا علم بأن كلتا الطائفتين كانتا في أول الأمر من حزب واحد، وإن الذين فرقوا بينهما هم السلاطين ووعاظ السلاطين"




اقتباسات اخترتها من الكتاب:
"إن المرضى الذين عالجهم فرويد كان أغلبهم من النساء. وقد وجد فرويد أن سبب ذلك يعود إلى أن المرأة كانت في ذلك الحين  واقعة بين دافعين متعاكسين. فهي كانت تؤمن بأن الرغبة الجنسية إثم كبير بنما هي كانت، من الجهة الأخرى، مندفعة نحو إشباع تلك الرغبة اندفاعاً لا شعورياً عنيفاً"

"إن كل فجوة نفسية بين الحاكم والمحكوم تؤدي حتماً إلى الثورة مالم تستأصل في وقت قريب" 

"كان الناس في ذلك الحين مصابين بداء الصراع النفسي بشكل عنيف. فهم كانوا بدواً في أعماق نفوسهم. وكان يطالبون الحكام بإتباع تعاليم الإسلام. وبعبارة أخرى: كانت قلوبهم بدوية وألسنتهم اسلامية. فكانوا يطالبون الحاكم بالعدل والماساوة بينما هم كانو في واقع أمرهم كغيرهم من أبناء القبائل أولي كبرياء وتفاخر بالأنساب والأحساب. وكان الفرد آنذاك يحتج على الحكام بالحجة الدينية ثم يثور عليهم بالسيف البدوي." 

"إن الأمصار التي أسسها العرب في صدر الإسلام كانت، كما أشار البروفسور جب، موطناً لنوعين: فاتحين يحملون السيف، وواعظين يحلمون القرآن."

"إن قولك للظالم أن يكون عادلاً كقولك للمجنون أن يكون عاقلاً."

"أن الزعامة ظاهرة اجتماعية، تنبعث من المجتمع وتنمو به. ولن تجد زعيماً يظهر في مجتمع لا يقدره."

"إن السبب والنتيجة يتفاعلان هنا تفاعلاً متسلسلاً- على حد تعبير علماء الذرة. وإذا أردت أن تفهم سر الزعامة في أحد الرجال، فاسأل عن شخصيته من جهة وعن تقدير الناس له من الجهة الأخرى."

"إن الوعظ يجعل الناس شديديين في نقد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من أفواه الواعظ عالية جداً. وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجأون إلى تطبيقها على غيرهم، ولذا يكون نقدهم شديداً"


"أن المنطق الحديث يدعي (منطق التناقض). فكل شيء يحمل نقيضه في صميم تكوينه. وهو لا يكاد ينمو حتى ينمو نقيضه معه. وبذا يصير الشر خيراً بمجرد نموه وتحركه"

"إنها في الحقيقة مشكلة ذات حدين، أو هي (Dilemma) كما يسميها علماء الاجتماع. فالمجتمع البشري واقف بين أمرين متناقضين. فهو إما أن يسير في طريق الخضوع والجمود أو يسير في طريق الخلاف والتجدد. والمجتمع الناجح هو ذلك المجتمع الذي أستطاع ان يجد له طريقاً وسطاً، إذ يسمح لقوى التجديد بالافصاح عن نفسها بطريقة سلمية هادئة. وهذا ماتحاول الأمم الحديثة ان تسير عليه.."

"فليس من المعقول أن ينفي  الانسان قلبه فجأة من العقد النفسية والقيم الاجتماعية، ويصبح ملاكاً طاهراً بمجرد قوله: لا إله إلا الله."

"يشرع البرفسور نيكلسون بالبحث قائلاً: (... إن سلوك الأمويين الغير الديني أثار سؤالاً حول ماإذا كان الأمويين الذين دخلو الاسلام في الساعة الحادثة عشر لا يزالون وثنيين في أعماق قلوبهم؟)"

"أن دين المواساة الذي جاء به محمد بن عبد الله، دفن مع علي بن أبي طالب في قبره."

"يقول المؤرخين أن الجيش الأموي الفاتح عندما دخل المدينة بعد واقعة الحره أباحها ثلاثة أيام (فاستعرض أهل المدينة بالسيف جزراَ كما يجزر القصاب الغنم حتى ساخت الأقدام في الدم وقتل أبناء المهاجرين واأنصار)"

"ولكن التفاضل بين الأشخاص لا يقاس بمقياس واحد. فرب غالب في مقياس هو مغلوب في مقياس آخر. ومشكلة بعض الباحثيين أنهم يدرسون التاريخ في ضوء المنطق القديم الذي يؤمن بالحقيقة والمقياس المطلق."

"ويصح أن نقول: بأن جدل الباحثيين هو جدل في المقاييس والقيم أكثر مما هو جدل في الحقائق والفضائل."

"إننا نظلم علياً حين نقيسه بمقياس معاوية. فمعاوية رجل من دهاقين السياسة ودهاتها. ولنا أن نفضله على غيره حسب هذا المقياس. أما علي فكان له مقياس آخر يختلف عن مقياس معاوية أختلافاً أساسياً."

"يعتقد ماربين، المستشرق الألماني، أن الحسين أراد بخروجه النصر الآجل الذي يأتي بعد الموت، فالحسين قد أدرك صعوبة النصر العاجل في حياته فآثر أن يستشهد لكي ينال النصر بعد وفاته."

"يقول (ابن خلدون): "أن الحسين غلط في أمر خروجه على حكم يزيد الذي كان مؤيداً بعصبية قريش" وابن خلدون يستند في هذا على نظريته الاجتماعية في العصبية. فهو يعتقد أن الحق من غير قوة تسنده لا خير فيه. والواجب على صاحب الحق، في نظر ابن خلدون، ان ينظر في قوته وعصبيته فإذا وجدها كافية نهض بها. أما إذا كانت غير كافية فالسكوت عليه  واجب."

يقول العقاد: "انهزم الحسين في يوم كربلاء وأصيب هو وذووه من بعده. ولكنه ترك الدعوة التي قام بها ملك العباسيين والفاطميين، وتعلل بها أناس من الأيوبيين والعثمانيين، واستظل بها الملوك والأمراء بين العرب والفرس والهنود، ومثل للناس في حلة من النور تخشع الأبصار. وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تورايخ بني الانسان. 

"أن الحق والباطل، في نظر المنطق الحديث، أمران اعتباريان، والنزاع فيهما هو في أساسه نزاع على المقاييس أكثر منه نزاعاً على الحقائق"






ملاحظة : الكتاب جريء ويتجاوز بعض الخطوط الحمراء فيما يتعلق ببعض الحقائق للمذهبين السني والشيعي. تلخيصي للكتابة لا يعني بأني متفق مع الكاتب في كل النقاط التي طرحها. هنالك الكثير من الآراء التي اراها سطحية جداً في الكتاب، وناقصة، وهناك العديد من القضايا التي اراها جميلة ودقيقة. 

الجمعة، 26 نوفمبر، 2010

قراءة في كتاب بدايات


هل فكرت بالماضي البعيد جداً من قبل؟ اعني هل تساءلت يوماً ما: كيف كانت حياة اجدادك، وكيف تزوجك جدك بجدتك وماهي اجمل الذكريات واتعسها في ماضيهما، وماهي المواقف التي اضحكت اباك، او ابكت امك!
في كتاب بدايات، يأخذك أمين معلوف في رحلة استكشافية طويلة إلى الماضي، فتتعرف على تاريخ أهله، وذكرياتهم الجميلة والحزينة في لبنان، وكوبا والأمركيتين. الكتاب جيد ومكثف بالمعلومات الدقيقة، ادهشني أمين معلوف في قدرته البحثية والتعبيرية خاصة عن سيرة عائلته التاريخية ، وزرع في روحي الفضول للغوص والتعرف على تاريخ عائلتي، والتنقيب عن الذكريات. 
اول مائة صفحة من الكتاب مرهقة ، وقد لا تستطيع إكمال قراءتها، لكن بعدها ستكتشف متعة في التعرف أكثر وأكثر عن تاريخ عائلة ال معلوف.

اليكم مقاطع اعجبتني من الكتاب:

"غيري قد يتحدث عن "الجذور"... تلك ليست مفرداتي، فأنا لا أحب كلمة "جذور"، وأقله صورتها. فالجذور تتوارى في التربة، تتلوى في الوحل، تنمو في الظلمات؛ تبقي الشجرة أسيرة، منذ ولادتها، وتغذيها لقاء ابتزاز: "لو تحرّرت، تموتين!

"أنا أنتمي إلى عشيرة ترتحل منذ الأزل في صحراء بحجم الكون. مواطننا نفارقها متى جف الينبوع، وبيوتنا خيام من حجارة، وجنسياتنا مسألة تواريخ أو سفن كل ما يصل بيننا، وراء الأجيال، ووراء البحار، ووراء بابل اللغات، رنين اسم...".


هل يعني ذلك أنني لا أشتاق إلى جبلي؟ بلى، أشتاق إليه بالتأكيد، يشهد الله! ولكم ثمة علاقات حب تقوم على الإشتياق والبعاد، فطالما نحن في الغربة، بوسعنا أن نلعن الفراغ، ونعيش يحدونا الأمل بأن التلاقي يكفينا، وفور عودتنا، تتجلى الحقيقة: فالمسافة كانت تصون الحب، ولو ألغيناها، جازفنا بإلغاء الحب. 

لدينا وجهان على الدوام، وجه نقلد به أسلافنا، ووجه نقتبس به الغرب. 

فاعلم ياصديقي أن أبناء الشرق قد نظروا إلى الغرب بعد أن بلغ من المدنية والعمران شأواً مفيداً، وظنوا أن علة ذلك التقدم هو ماتوصلوا إلى معرفته من عوائد بعض الغربيين كالتأنق في إعداد الطعام، وتزيين المقام، وترتيب الزهور على الصدور، وتصفيف الطرر فوق الغرر، وإكثار النزهات، والمطالبة بالزيارات، وركوب العجلات، وكتابة الأسماء الرقع بالحرف الإفرنجي،، ظانين أنه باتباع كل عادة غريبة كيف كانت يصعدون درجة من مدارج الكمال ويدركون سراً من أسرار النجاح، وهم لا يعتقدون أنه يوجد بين الغربيين حكماء وسفهاء، ومصلحون ومفسدون، وأفاظل وأسافل، ليختبروا كلاً منهم، ويعلمون من هم الذين يحسن الأخذ عنهم والتعلم منهم....

من المعلوم يا أبناء وطني الكرام أنه قدم مرت علينا أيام طوال وشعوب الأرض تنظر إلينا نظر الاستخفاف والازدراء، وترمينا بضعف العزائم وسفالة الأخلاق. كانت تنظر إلى تقدمها وتأخرنا، إلى عزها وذلنا، إلى ارتقائها وانحطاطها، وتلومنا على القصور لوماً لا يطاق. ولكن قد كان لنا يومئذ من نوع الحكومة السابقة ما نعتذر به بعض الاعتذار، وندفع به عن أنفسنا بعض التهم. كان لنا من الحكم الاستقلالي إصبع نختبئ وراءه. ومن اسم الاستبداد غربال نستر به خمولنا. أما الآن وقد زال ما كان وكان مالايزول، قد انجلى ليل الاستبداد المدلهم، وأشرقت شمس الحرية الساطعة الأنوار، فكأني بأولئك الشعوب قد وقفوا لنا في المرصاد، وحدقوا إلينا بالأبصار، وقالو قد فُك الشعب العثماني من أسره، وزال ماضي عذره، فلنر ماذا يكون من أمره، حتى اذا مصى علينا شط الزمان، ولم نبلغ مبلغهم من العمران، أنزلونا عن مرتبة الإنسان، وثبت عندهم أننا لم نخلق لغير الهوان، وأغاروا على أموالنا ومصالحنا يبتلعونها كالحيتان.

قد يقول بعضهم: "وما إذاً؟ فلندع الأموات، كما يقول تعبير مبتذل، يدفنون الأموات، وللنصرف إلى حياتنا!

يمكن أن تروي سيرة أهلي تماماً على النحو التالي: يموت الأجداد، ومن ميتاتهم البعيدة، يموت أحفادهم بدورهم. هل تولدُ الحياة، الحياة؟ لا، بل الموت يولدُ الموت- لطالما كان ذلك عندي، وعندنا قانون الأصول الأبكم

كان أحد مبادئ جدتي أن السلطة لا يجب ان تمارس في الثرثرة، بل في الصمت، أو على الأقل بأقل قدر ممكن من الكلمات

الخميس، 4 نوفمبر، 2010

قراءة في رواية عزازيل



عزازيل من أجمل الروايات التي قرأتها هذه السنة. أنهيتها في قضون عشرة أيام. مؤلف الرواية، يوسف زيدان، يقدم لك بحثاً تاريخياً وفلسفياً بصورة قصصية ممتعة للغاية. قد يبدو عنوان الرواية غريباً بعض الشيء، فـ"عزازيل" تعني الشيطان في الديانة المسيحية واليهودية. تتحدث الرواية عن الراهب المصري (هيبا) والذي عاش في أواخر القرن الخامس الميلادي من التاريخ المسيحي فتجري احداثها حول احداث تاريخية ممتعة كصراع (نسطور) اسقف القسطنطينية مع (كيرلس) أسقف الأسكندرية، وسقوط (هيباتيا) العالمة والفيلسوفة على أيدي المسيحيين المتعصبين.

يأخذك الكاتب بطريقة سحرية إلى اماكن جغرافية وتاريخية ويعرفك على تفاصيل دقيقة حول احداث لم تعري لها انتباهاً من قبل. عندما قرأت الرواية، شعرت بأني هيبا وشعرت بحيرته وتناقضاته تتمثل أمام عيناي، وتخيلت تماماً صراعه الدائم مع عزازيل ومع نفسه. الرواية رائعة بحق، وأنصح بقرائتها بلا شك. 

هذه بعض المقاطع التي أعجبتني في الرواية: 

لا أعرف كيف اندفعتُ فجأةً، فقلتُ بلا روية مقاطعاً تأملات الأسقف لا ياأبتِ، ثالوث أفلوطين فلسفي، هو عنده: الواحد والعقل الأول، والنفس الكلية، والثالوث في ديانتنا سماوي رباني: الآب والابن وروح القدس وشتان بين الأثنين. 

تُرى هل طرد الله آدم من الجنة لأنه عصى الأمر. أم لأنه حين عرف سر أنوثة حواء، أدرك رجولته واختلافه عن الله، مع أنه خلقه على صورته.

لفتني بحضنٍ عميق يسعني ويسعُ كل ذكرياتي، بكل مافيها من الآم دفينة وأفراح قليلة. كان حضنها يسع العالم كله. همست في أذني بما معناه أنني لم أعتد عليها بعد، وأن زماننا الآتي كفيلٌ بذلك. كانت أنفاسها لحظتها، تدفئ صدري، وشفتاها المتوهجان تمران على عنقي، فتلهبانه توقاً إليها. 

عزازيل: "ياهيبا، قلت لك مراراً إنني لا أجيء ولا أذهب. أنت الذي تجيء بي، حين تشاء. فأنا آتٍ إليك منك، وبك، وفيك. إنني أنبعثُ حين تريدني لأصوغ حلمك، أو أمد بساط خيالك، أو أقلب لك ماتدفنه من الذكريات. أنا حامل أوزارك وأوهامك ومآسيك، أنا الذي لا غنى لك عنه، ولا غنى لغيرك. وأنا الذي..."

الأعتراف طقسٌ بديع، يطهرنا من خطايانا كلها، ويغسل قلوبنا بماء الرحمة الربانية السارية في الكون. سأعترف إلى هذه الرقوق، ولن أُخفي سٍراً، لعلني من بعد ذلك أنجو.

الحياة ظالمةُ. فهي تمتدُ بنا وتُلهينا، ثم تُذهلنا عنا وتغيرنا، حتى نصير كأننا غيرنا. 

بلفظٍ رقيقٍ سألتها وهي في حضني، إن كانت تظل تحبني مهما جرى! مازالت إجابتها ترنُ في باطني، وتتردد أصداؤها: مهما جرى ياحبيبي، وسوف أقضي عمري كله بجانبك، راعية لك، يا أملي الوحيد، فقد انتظرتك طويلاً وحلمت بك كثيراً،، ولن أجد لنفسي أفضل منك أبداً. 

الشكوك كانت تملأ نفسي تجاه ماورد في أسفار التوراة الخمسة. ولكن مهما كان، فلا يجوز لإنسان إهانة عقائد غيره من الناس، وإلا لهانت كل الاعتقادات وأُهينت، ولم يصح أي دينٍ لأي إنسان. 

أخذتُ التفاحة متردداً، فرفعت أوكتافيا بها يدي نحو فمي، كنتُ لحظتها أفكر في سفر التكوين. قضمتُ من تفاحتها قطعةً صغيرة، وقد اجتاحني شعورٌ جارف بأنني آدم الذي أغوته امرأته، وخدعه عزازيل اللعين، فأورثنا من بعده خطية العصيان الأولى.. الخطية الأولى؟ طافت بذهني الآيات التوراتية المشهورة، التي لا يمكن أن يصدقها غيرنا. وتوالت على قلبي الأسئلة: لماذا أمر الرب آدم بالابتعاد عن شجرتي المعرفة والخلود؟ ولماذا انزعج الربُ لما أكل آدم من شجرة المعرفة؟ فقل في نفسه، بحسب ماهو متكوبٌ في سفر التكوين: هو ذا الٍإنسان فقد صار كواحدٍ منا، عارفاً الخير والشر. والآن لعله يمدُ يده، ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً، فيصير خالداً. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليحرث في الأرض التي أُخذ منها. طر الرب الإله الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن ملائكةً ولهيب سيف متقلب، ليحرس طريق شجرة الحياة..

لماذا أراد الله أولاً، أن يبقى الإنسان جاهلاً؟ وهل المعرفة التي أدركها آدم، هي تمهيدٌ لإدراكه الخلود؟ ومن هم أولئك الذي قال الرب إنه واحدٌ منهم؟ وهل لو بقي آدم وحواء جاهلين، كانا سيخلدان في الجنة؟ كيف يصح الخلود مع الجهل والغفلة عن الطبيعة؟ وما الذي عرفناه بالضبط حين أكلا من الشجرة؟

أتراني أُعيد فعلة آدم، فأغضبُ الرب، فيعيدُ الطرد؟،، من أين، وإلى أين سيطردني، أنا الطريد منذ سنين،، ولا أين لي، ولا كيف!

للصلاة فعلٌ كالسحر. فهي مراحٌ للأرواح، ومستراحٌ للقلب المزحون، وكذلك القُداسات التي تغسلنا من همومنا كلها، بأن تلقيها من كاهلنا إلى بساط الرحمة الربانية، فنرتاح إلى حين. 

تعجبتُ من البساطة التي قص بها الفتى حكايته، من دون أي أسفٍ أو خجل؛ كأنه يقصُ واقعة عادية، من شأنها أن تحدث لأي شخص.. كان ذلك هو الدرس الأول الذي تعلمته في هذا الدير، وأفادني كثيراً على نحوٍ خفي. لا ينبغي أن نخجل من أمرٍ فُرض علينا، مهما كان، مادمنا لم نقترفه.

لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام، عن إنسانٍ لا يستطيع التعبير عن ألمه. 

كل الكائنات تحبُ النزول وتبتهج له، إلا الإنسان الذي يخدعه وهمهُ وتحدوه أحلامه، فيبهجه الصعودُ والترقي. 

الحمار لا  يمكن بحال أن يكون غبياً، هو صبورٌ بطبعه. وقد يبدو الصبرُ غباءً أحياناً، وجُبناً أحياناً. يبدو أنني قضيتُ عمري حِمارًا!