السبت، 18 سبتمبر، 2010

قراءة في كتاب محمد خاتم النبيين


المفكر علي شريعتي رائع في طرحه التحليلي للقضايا التاريخية والاجتماعية، فهو يتحدث بلغة علمية معاصرة. وفي كتابه (محمد خاتم التبيين) لا يقوم علي شريعتي بسرد تاريخي لسيرة النبي صلى الله عليه واله، وانما بطرح تحليل علمي للأحداث في منظار علم النفس والاجتماع والفلسفة. قرأت الكتاب قبل سنة تقريباً وعدت اليه مرة اخرى لكتابة موجز عنه. وهنا سأكتب وجهة نظري مع ذكر لبعض مقاطع ومقولات الدكتور من كتابه:


"لذلك فإن العالم الخارجي كما يراه الفرد يمثل تصويراً لمجتمعه وطبقته في عالم الحقيقة والستار العيني. وفي علم الاجتماع فإن الذهن والذات يمثلان الرسام والنحات الذي ينحت ويلون الاطار العيني والخارجي للذات بشكله الخاص." (ص٣١)
  • يتكلم علي شريعتي عن رؤية الإنسان لعالمه الخارجي وعن ادوات تقييم الانسان لمعتقدات الاخرين وتصرفاتهم وطريقة تفكيرهم، وهي حقيقة اجتماعية، فالأنسان اولاً ينظر للعالم الخارجي من مجتمعات وقيم وقبائل بناءاً على ادوات وطرق تقييم اكتسبها من مجتمعه. فالأنسان العربي الذي ينظر الى المجتمع الغربي بأنه مجتمع غير اخلاقي، فهو يبني هذه الرؤية على مقايسس شخصية او مقايسس أخلاقية صنعها مجتمعه. 


"المجتمع او الدين المغلق والمجتمع او الدين المنفتح اصطلاح لهنري برجسون الفيلسوف الفرنسي المعاصر. المجتمع او الدين المنغلق هو الذي ينحصر في سور الأسس والعقائد والأعراف والرسوم التي يتبناها، وبالتالي يبقى راكداً، ويظل ثابتاً باستمرار، رغم مرور القرون والعصور. وعلى العكس منه المجتمع المنفتح، حيث يهدم ذلك السور فتفتح نوافذه بوجه المجتمعات والاديان الاخرى، وهذا الانفتاح بنفسه عامل تغيير وتحول دائم ويعود بالغنى والرشد المستمر. الدين والمجتمع اليهودي نموذج لمجتمع ودين مغلق، والاسلام والمجتمع الاسلامي في القرن الثاني والثالث والرابع نموذج للمجتمع والدين المنفتح. "ص٣٢
  • المجتمع الذي يغلق نفسه على نفسه، والذي لا يسمح للهواء بأن ينبعث الى داخل بيته من الخارج، والذي يرفض استضافة اي غريب او زائر، والذي يستصغر كل من لا يشبهه في الشكل او في المضمون، يصبح مجتمع متخلف، ولهذا علي شريعتي يحلل نجاح الدين الاسلامي في بداية ظهوره لأنفتاحه على الديانات الأخرى، والحظارات الأخرى، والقبائل والاقوام الأخرى. ظهور الأسلام كمكمل للديانات السابقة دليل ان الاسلام في قوانينه وفي ابعاده دين يحتوى على تعاليم كل الديانات السابقة. المشكلة ان الاسلام بصورته اليوم اصبح دين مغلق على اصحابه، فالمسلمين ينظرون لسائر الاديان الأخرى بعدوانية وكراهية، ويتعامل مع الغرب كأنه في ساحة معركة، وهذا يضعف عولمة الأسلام وعالميته.  

"أعتقد ان قراءة الأديان المغلقة والمنفتحة، ودراسة المجتمعات والحضارات المغلقة والمنفتحه في تاريخ البشرية تثبت الحقيقة العلمية الاجتماعية التالية: ان الهجرة (قطع علاقة المجتمع بالأرض) تغير رؤية الانسان للعالم، وتحولها إلى رؤية شاملة. وفي المحصلة تذيب الجمود والانحطاط الاجتماعي والفكري والعاطفي، ويحصل المجتمع المتكلس الراكد على الحياة والحركة. وبعبارة أخرى: بحكم كون الهجرة بذاتها حركة ونقلة انسانية كبرى فهي تبث في رؤية المجتمع روح الحركة، وبالتالي تهز المجتمع، وتنقله من إطاره الجامد إلى سلم الرقي والكمال المتصاعد." ص٣٧
  • الهجرة عنصر مهم في تغيير رؤية المجتمع وسلوكه ومستوى تفكيره. فالمجتمع الامريكي مثلاً هو مجتمع يُعبر عن خليط رائع من مهاجرين جاءو من كافة دول العالم، على عكس المجتمع السعودي، فهو لا يحتوى في داخله اي خليط ثقافي او ديني او حتى مذهبي. فهو مجتمع مغلق حتى اهله  في الداخل، فأهل نجد لا يستطيعون العيش في الشرقية وأهل الحجاز لا يستطيعون العيش في الرياض، والشيعة تعيش في مناطق لوحدهم، والسنة في مناطق لوحدهم. هذا على المستوى الداخلي. سبب ذلك يعود ان انتقال الأنسان وهجرته (حتى على المستوى الداخلي) يستلزم تخليه عن بعض من سلوكياته، ويستلزم مواجهة مع (الآخر) فالأنسان الذي يعيش في حدود قريته، وبين اصدقاء تتشابه معتقداتهم وطريقة تفكيرهم بطريقة تفكيره، لا يحتاج للمساؤلة او التساؤل على عكس تواجده بين فئة تختلف معه في طريقة التفكير والسلوك والرؤية. 

"آرنولد تويبني "ابرز مؤرخي العالم المعاصر" في دراسته الرائعة عن تحليل التاريخ له نظرية باسم أصل الهجرة والرجعة، حين يذهب فيها الى ان الشخصيات الكبرى في تاريخ البشرية- الذين بنوا الحظارات والأديان والمجتمعات- تركت في بدء المرحلة الأولى من حياتها ديارها وخرجت من محيطها الاجتماعي وأرضها، وبعد ايام الغيبة التي أعدت أنفسها فيها لأداء رسالتها الخطيرة عادت الى محطيها وقومها، وبدأت نشاطها. فهذه الرجعة الخارقة والعظيمة سبقتها في الواقع هجرة هادئة وصامتة، كان لها دور أساس في بناء روح وعبقرية تلك الشخصيات، فقد كان لإبراهيم، موسى، زاردشت، بوذا ونبي الاسلام مثل هذه الهجرة." ص٤٥
  • الجميل في هجرة الأنسان الى مجتمع اخر هو فرصة الاعداد النفسي والاجتماعي والثقافي لشخصيته وتكوينها من جديد، وجمال ذلك يستلزم ايضاً عودته الى مجتمعه السابق وتغييره من خلال طرح رؤيته الجديده. مشكلتنا نحن عندما نغترب اننا نقف في مرحلة التعلم ونتوقف عند مرحلة التعليم. فالأنسان الذي يتغير، ولا يستطيع ان يُغير لا ينفعه تغيره بشيء لأن نجاح التغير يأتي من نجاح التغيير. فهجرة النبي الى غار حراء، وتكوين شخصيته من ناحية روحية، واجتماعية وايمانيه، تستلزم منه ان يعود مرة اخرى الى مجتمعه وان يطرح ماتعلمه في غار حراء من ايمان، وروحانية وادراك وتعلم وفهم. 

"ورغم ان النبي سفير الهي مكلف بأداء رسالة السماء، الا انه كان يمارس نشاطه كمفكر سليم الرؤية. فهو يعلم ان بغية البدي بأي مشروع اجتماعي، وبغية النهوض بثورة تغيير جذري سياسياً وعقائدياً واجتماعياً وأخلاقياً لا بد من معرفة طبيعة المجتمع الذي يشكل ساحة عمله، وتم البدء بالعمل من الأخذ بنظر الإعتبار طبيعة الواقع الاجتماعي القائم وشروطه النفسية والاقتصادية والسياسية." ص٦٨
  • الخطأ الكبير الذي نرتكبه نحن عند محاولة تغيير اي فكر او سلوك في المجتمع هو طرحها بشكل عشوائي و مجرد من دون دراسة نفسية اواقتصادية اوسياسية للمجتمع الذي نحاول تغييره. فمثلاً، اتذكر بأن صديق من الاصدقاء تحدث معي بإحباط شديد حول مستوى القراءة في قريته، وكانت طريقته في التغيير هو انه يدعو الكثير من اصدقائه الى مكتبة جرير لشراء كتاب والحديث حول مشروعه للقراءة. ولهذا فشل، فهو لم يقم بدراسة لسلوك اصدقائه ولم يقم بدراسة اسباب عزوفهم عن القراءة، ولم يتعرف على مستواهم التعليمي او مصادر متعتهم وجذبهم لأي عمل. ان عرض اي فكرة لتغيير من دون اي دراسة هو فشل مُقدم يثبت عدم جدية الباحث في طرحه او عدم ادراكه في ألية التغيير. 

الموت بنفسه فن ايضاً، وينبغي تعلمه كسائر الفنون. أنه مشهد جميل وعميق بشدة، انه مواكبة جدية لميدان الحياة. قليلُ هم الذين ماتو ميتة جميلة، لقد تفحصت التاريخ طويلاً إلى ان عثرت على اناس ماتو ميتة حسنة، وعلى رجال ماتو بجمال وعظمة. ص ١٤٨
  • هل يتساوى الذي يموت ويده في قلمه مع الذي يموت ويده في أنفه؟ بالتأكيد لا! رغم ان الانسان لا يستطيع ان يحدد توقيت موته، الا انه يستطيع ان يحدد مسار موته.

  • في الختام، هذه بعض المقاطع الاضافية التي نالت اهتمامي عندما قرأت كتاب علي شريعتي:
"أن ميتة الكبار ليست على نسق واحد ايضاً، فكل شخص يموت كما كان يعيش، يموت كما هو. احد أشهر حوادث الموت في التاريخ موت "وسباسين " امبراطور روما البطل، فحينما أُقعد في فراش الموت اخذ يعالج سكراته وقادة عسكره يقفون إلى جانب سريره، وعندما امتلكه الإحساس بأنه يلفظ انفاسه الأخيرة، نهض فجأة وصاح: ( الامبراطور يجب ان يموت واقفاً)"


"كتب راهب صيني على جدار معبد جميل هذه الجمل: أن العيون التي لا ترى جمال الوجه إلا بعد تلوينه، ولا تشعر بروعة الجسم إلا بعد تعريته، ولا يشم صاحبها رائحة إنسان ما إلا بعد سكب قنينة كاملة من العطر على جسمه، ولا يحس بمذاق الطعام إلا بعد إضافة شتى أنواع المواد إليه، كيف يمكن لمثل العيون أن تشخص جمال علو وطعم روحي وأنا اناجي معبودي في هذا المحراب؟!" ص١٤٩

"خيم على المسجد صمت ثقيل ومؤلم،، أدرك النبي اضطراب الناس الشديد لسلوك هذه الأعرابي الذي أحرج النبي بين الناس. فقال : "ايها الناس من كان عنده شيء فلؤده ولا يقل فضوح، الا وان فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة" فقام أعرابي آخر وقال: " يارسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله" فقال له النبي: "ولم غللتها؟" فقال: كنت اليها محتاجاً. فقال النبي: " خذها منه يافضل"
ثم نهض رجل ووضع عينه بعين النبي، وهو يضطرب وقال: لقد ضربتني سوطاً على بطني يارسول الله في الواقعة...! سكت المسجد فجأة، وكادت القلوب تنقطع حزناً وغماً، اندهش الجميع، ولم يتجرأ أحد أن يرفع رأسه،، أما النبي فبوجه هادئ، رفع ثوبه، الذي بلله العرق، حيث كشف بطنه الى أعلى والناس يطأطأون برؤوسهم دهشةً. لحظات مؤلمة، وفجإة يهز فضاء المسجد ضجيج أليم. فرفع الناس رؤوسهم، وهجم الرجل على بطنه هجوم المجانين، وبدل القصاص قبّل بطنه قُبلة الوالهين. فهطلت أمواج الدموع، فوجد الناس أنفسهم بعد خجل مرفوعي الرأس أمام النبي." ص١٨١

الأربعاء، 15 سبتمبر، 2010

ذكرى

كانت (هي) تطلب مني دائماً ان اقرأ كتبي بالقرب منها في الكافي،  وكانا كلانا يجلس في طاولتين متقاربتين،  كنت اختلس النظر الى وجهها الناعم وهي مندفعة في القراءة،  اتأمل في عمق جمال هذه المرأة التي تزداد جمالاً حينما اشاهدها تقرأ كتاباً من الكتب.  أخبرتها من قبل، بأني لا ارى بأن المكياج او الذهب يزيد من جمال المرأة اطلاقاً،،، لكن شيئاً واحد فقط ، حينما تمسكه المرأة،، تتحول الى حورية جميلة جداً،، تأسر الرجل تماماً بجمالها. 
منذو ذلك اليوم، وانا اراها لا تمشي الا بصحبة كتاب.  (هي) تمسك الكتاب بعذوبة تامة وكأنها تمسك بتفاحة.  وكنت اندهش دائماً من هذا الانسجام العجيب والجميل بينها وبين الكتاب. 


الأن ، انا هنا وحدي، وهي هناك وحدها، وتفصل بيننا محيطات ودول.
 انا هنا اقرأ كتبي بحيرة، فلا ارى شيئاً امامي يستحق اختلاس النظر اليه،  ولا يوجد لدي امرأة اخبرها عن آخر ماقرأت او اتناقش معها حول مايجول في خاطري.  وهي هناك، تجلس وحدها في سياتل بست كافي، تتأمل في المارة، وتقرأ الصفحة رقم ٨٧ من كتاب ادوارد سعيد، ثم تتوقف عن القراءة،، وتتأمل في الطاولة التي في الزواية، وهي تقول لقلبها،
انه كان ذات يوم هنا 
ثم رحل