الاثنين، 2 أغسطس، 2010

أشدُّ من الماء حزناً

كانت (هي) تكره اللحظات الأخيرة. تكره مواعيد السفر، رائحة المطارات وشكل الحقائب . كانت تكره كل شيء يذكرها بحقيقة ستختفي، وبواقع سيتغير. 
 طلبت مني اكثر من مرة ان لا اذكرها بموعد سفري، وكانت كلما اقترب الموعد، تشعر (هي)بحالة ذعراً غريبة.
قبل اسبوعين، اتصلت علي في منتصف الليل وهي تبكي: 
"مرتضى، اشعر ان شيئاً ما في اعماقي يتقلص! أنني اتألم الآن كثيراً في الداخل! ولا ادري مالسبب!"

قلبها الجميل لا يتحمل اللحظات الحزينة والذكريات الرائعة. 
كانت تسألني اكثر من مرة، حينما اغادر، من سيشتري لها باقة ورداً ويضعها امام الباب، ومن سيرسل على جوالها رسالة في اخر ساعة في المساء ليخبرها بأنها اجمل مخلوقاً على وجه الارض، ومن سيقرأ لها اشعار نزار وسيمح قاسم في المقهى، ومن سيضحكها بحكاياته الطريفة في اجازة كل اسبوع.

الحقيقة اني لا املك اجابة على تساؤلاتها. كل مااملكه هو تذكرة السفر. وكل مااعرفه اني سأغادر ولن اعود، وان القارة التي اعيش فيها، او اتوهم العيش فيها، ستتغير، او ستختفي، وان الطائرة ستحملني من مجهول الى مجهولاً آخر. 

اتفقنا أخيراً ان نلتقي مطار بورتلند وان ننظر الى كلانا للمرة الأخيرة. كنت اريد ان اراها قبل ان اغادر لكي اتأمل عينيها الساحرتين ، ولكي ازرع بعض من احلامي التائهة في حجابها الملون، ولكي اعانقها ولو في الهواء. 

في طريقها للمطار، كانت تحاول ان تقنع قلبها بأن هنالك احتمالات اخرى، بأن تتعطل الطائرة، بأن يغلق المطار، بأن تكون هناك عاصفة تمنع الرحلة، بأن انسى جواز سفري واخيراً بأن يمنعني مسؤول الهجرة من المغادرة!

اجتمعنا اخيراً في كافي صغير في المطار. كانت ترتدي نفس الحجاب الملون الذي كانت تلبسه في اول لقاء لنا. كانت حزينة جداً وكُنت حزينا لحزنها. جلست اتأمل عينيها الجميلتين التي سحرتني طوال الخمس سنوات. جلست انظر الى وجهها الجميل الناعم الذي يأسرني دائماً.
وأما (هي) فكانت تحاول ان تنظر للأسفل، فقط لكي تخفي الدموع التي تلاحق عينيها. 
كان الوقت حينها يشبه جزاراً يحسب الدقائق لينهي على ضحيته. 

نظرت لساعتي بهدوء،، ثم اقتربت منها اكثر وأكثر، 
حاولت اعانقها بقوة وأن اهمس في عينيها: "اني احبك جداً"
ثم ادركت حينها، وفي أخر لحظة، بأنها كانت مجرد حلم، وأن الطائرة هناك تنتظرني، لتأخذني من عالم الاحلام الى عالم الحقيقة. 

شعرت بالصدمة، رغم اني كنت اعلم منذ البداية انها كانت مجرد حلم . لكن لا ادري، كنت اطلب من الله بأخلاص تام في السنوات الماضية ان يحدث معجزة ما، وأن يجعلها حقيقة، او ان يجعلني اعيش في عالم الاحلام لفترة ابدية!

اخذت تذكرة السفر، ومشيت ببطئ، وكانت بورتلند من ورائي تختفي، وتختفي معها ذكرياتي الجميلة والحزينة، والسعيدة. نظرت للخلف للمرة الأخيرة وقلت وداعاً للمدينة التي عانقتني لمدة خمس سنوات، وللحلم الذي جعلني اطير في السماء والأرض. 

"أشدُّ من الماء حزناً..
تغربت في دهشة الموت عن هذه اليابسه..
أشدُّ من الماء حزناً ..
وأعتى من الريح توقاً إلى لحظة ناعسه..
وحيداً. ومزدحما بالملايين،خلف شبابيكها الدامسه.."


هناك تعليقان (2):

sara يقول...

أحاسيس أكثر من رائعه ...
وهمسات شعرت معها بدفء غريب ..
غريب جدا ..
ليتها كانت هنا لترى هذا الكم العظيم من المشاعر الذي تجسد في صورة رجل ...

استمر يا مرتضى ... sara

ahmedyes2000 يقول...

اخي العزيز مرتضي
في كل مرة استرق النظر الى مدوناتك
صورة تجسد حكي مغترب عن الديار
صورة تتكرر وترسم عالم حقيقي
اتمنى لك ولها حياة سعيدة وان لا تتركها في الغربة وحيدة