الخميس، 26 أغسطس، 2010

حيرة

تواعدنا اخيراً ان نتحدث معاً عبر السكايبي، وكنت انتظر ان اسمع صوتها وان ارى ابتسامتها عبر الكاميرا بشوق كبير. اما هي، فكانت تفضل ان لا نتكلم مرة اخرى، وان نبتعد اكثر واكثر. لأن صوتي يذكرها بذكريات لقاءنا الاول في بورتلند، وصورتي وانا اتأمل في حجابها تذكرها بأول لقاء لنا. الان وقد ادركت (هي) بأني لم اعد في بورتلند، وقد لا اعود اليها مطلقاً، علمت حينها بأن الحلم الذي حلمت به بدأ يتلاشى..
 لكنها ايضاً في حيرة،، فقلبها لا يتسع لتجربة اخرى،، ولا لشخص أخر، ولا لحلم اخر،، فمازالت تحتفظ بذات المساحة التي تحملها اسمي في قلبها،، ولأن قلبها عالماً كبير بحد ذاته،  كنت اتعب كثيراً في استكشاف مافي داخله،، فكلما احاول الغوص في أعماق قلبها، اكتشف حناناً أخر، وحباً أعمق، وعاطفة لا تغطيها أفق عيناي. 
أنها تعلم تماماً بأني احبها،، وبأني اعشقها بجنون،، وبأني اتحلم في رؤيتها كل مساء. 
وتعلم ايضاً بأني متعلق في عالمها الجميل والواسع، وانها مركز كل احلامي الصغيرة والكبيرة. 
........................................................
تجلس (هي) على سريرها الوردي، تقابل شاشة الابتوب، تضغط بهدوء على برنامج السكايبي ، تنظر للكاميرا وفي عينيها دمعة صغيرة جداً .. تسألني هل تسمعني الان؟ هل ترى صورتي؟
اتأمل وجهها بدهشة وبشوق عبر السكايبي.. اتأمل في حجابها الملون،، في اضاءة الاباجورة،  في كتاب ادوارد سعيد الذي اهديتها اياه في عيد ميلادها، في رسائلي الورقية المبعثرة على طوالتها،،، اجيبها بهدوء،، اسمعك الان،، هل تستطيعين ان تقتربي اكثر من الشاشة؟

تقترب هي اكثر،،، وتقترب معها أحلامي المبعثرة حول حجابها الملون  ثم تخبرني بهدوء،، مرتضى ،، لا املك الا خمس دقائق للحديث معك الان

اقرأ لها ابيات شعر حفظتها من فترة طويلة:


هنالكَ خمسُ دقائقْ.."

بها أطمئنُّ عليكِ قليلا..

وأشكو إليكِ همومي قليلا..

وأشتُمُ فيها الزمانَ قليلا..

هنالكَ خمسُ دقائقْ..

بها تقلبينَ حياتي قليلا..

فماذا تسمّينَ هذا التشتُّتَ..

هذا التمزُّقَ..

هذا العذابَ الطويلا الطويلا"..



الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

تناقضات قلبي



وما بين حُبٍّ وحُبٍّ.. أُحبُّكِ أنتِ





كأنَّ الزمانَ الوحيدَ زمانُكِ أنتِ.. 




كأنَّ جميعَ الوعود تصبُّ بعينيكِ أنتِ.. 

فكيف أُفسِّرُ هذا الشعورَ الذي يعتريني 

صباحَ مساءْ.. 

وكيف تمرّينَ بالبالِ، مثل الحمامةِ.. 

حينَ أكونُ بحَضْرة أحلى النساءْ؟. 



هنالكَ خمسُ دقائقَ.. 

أدعوك ِ فيها لفنجان شايٍ قُبيلَ السَفَرْ.. 

هنالكَ خمسُ دقائقْ.. 

بها أطمئنُّ عليكِ قليلا.. 

وأشكو إليكِ همومي قليلا.. 

وأشتُمُ فيها الزمانَ قليلا.. 

هنالكَ خمسُ دقائقْ.. 

بها تقلبينَ حياتي قليلا.. 

فماذا تسمّينَ هذا التشتُّتَ.. 

هذا التمزُّقَ.. 

هذا العذابَ الطويلا الطويلا.. 



وبين كلام الهوي في جميع اللّغاتْ 

هناكَ كلامٌ يقالُ لأجلكِ أنتِ.. 

وشِعْرٌ.. سيربطه الدارسونَ بعصركِ أنتِ.. 

وما بين وقتِ النبيذ ووقتِ الكتابة.. يوجد وقتٌ 

يكونُ به البحرُ ممتلئاً بالسنابلْ 

وما بين نُقْطَة حِبْرٍ.. 

ونُقْطَة حِبْرٍ.. 

هنالكَ وقتٌ.. 

ننامُ معاً فيه، بين الفواصلْ.. 


وما بين فصل الخريف، وفصل الشتاءْ 

هنالكَ فَصْلُ أُسَمِّيهِ فصلَ البكاءْ 

تكون به النفسُ أقربَ من أيِّ وقتٍ مضى للسماءْ.. 

وفي اللحظات التي تتشابهُ فيها جميعُ النساءْ 

كما تتشابهُ كلُّ الحروف على الآلة الكاتبهْ 

وتصبحُ فيها ممارسةُ الجنسِ.. 

ضرباً سريعاً على الآلة الكاتبَهْ 

وفي اللحظاتِ التي لا مواقفَ فيها.. 

ولا عشقَ، لا كرهَ، لا برقَ، لا رعدَ، لا شعرَ، لا نثرَ، 

لا شيءَ فيها.. 

أُسافرْ خلفكِ، أدخلُ كلَّ المطاراتِ، أسألُ كلَّ الفنادق 

عنكِ، فقد يتصادفُ أنَّكِ فيها... 


وفي لحظاتِ القنوطِ، الهبوطِ، السقوطِ، الفراغ، الخِواءْ. 

وفي لحظات انتحار الأماني، وموتِ الرجاءْ 

وفي لحظات التناقضِ، 

حين تصير الحبيباتُ، والحبُّ ضدّي.. 

وتصبحُ فيها القصائدُ ضدّي.. 

وفي اللحظات التي أتسكَّعُ فيها على طُرُق الحزن وحدي.. 

أُفكِّر فيكِ لبضع ثوانٍ.. 

فتغدو حياتي حديقةَ وردِ.. 


وفي اللحظاتِ القليلةِ.. 

حين يفاجئني الشعرُ دونَ انتظارْ 

وتصبحُ فيها الدقائقُ حُبْلى بألفِ انفجارْ 

وتصبحُ فيها الكتابةُ فِعْلَ انتحارْ.. 

تطيرينَ مثل الفراشة بين الدفاتر والإصْبَعَيْنْْ 


وما بين جرحٍ أُفتّشُ عنهُ، وجرحٍ يُفتّشُ عنِّي.. 

أفكّرُ في عصرك الذهبيِّ.. 

وعصرِ المانوليا، وعصرِ الشموع، وعصرِ البَخُورْ 

وأحلم في عصرِكِ الكانَ أعظمَ كلّ العصورْ 

فماذا تسمّينَ هذا الشعور؟ 

وكيفَ أفسِّرُ هذا الحُضُورَ الغيابَ، وهذا الغيابَ الحُضُورْ 

وكيفَ أكونُ هنا.. وأكونً هناكْ؟ 

وكيف يريدونني أن أراهُمْ.. 

وليس على الأرض أنثى سواكْ 


القصيدة للشاعر نزار قباني 

الاثنين، 2 أغسطس، 2010

أشدُّ من الماء حزناً

كانت (هي) تكره اللحظات الأخيرة. تكره مواعيد السفر، رائحة المطارات وشكل الحقائب . كانت تكره كل شيء يذكرها بحقيقة ستختفي، وبواقع سيتغير. 
 طلبت مني اكثر من مرة ان لا اذكرها بموعد سفري، وكانت كلما اقترب الموعد، تشعر (هي)بحالة ذعراً غريبة.
قبل اسبوعين، اتصلت علي في منتصف الليل وهي تبكي: 
"مرتضى، اشعر ان شيئاً ما في اعماقي يتقلص! أنني اتألم الآن كثيراً في الداخل! ولا ادري مالسبب!"

قلبها الجميل لا يتحمل اللحظات الحزينة والذكريات الرائعة. 
كانت تسألني اكثر من مرة، حينما اغادر، من سيشتري لها باقة ورداً ويضعها امام الباب، ومن سيرسل على جوالها رسالة في اخر ساعة في المساء ليخبرها بأنها اجمل مخلوقاً على وجه الارض، ومن سيقرأ لها اشعار نزار وسيمح قاسم في المقهى، ومن سيضحكها بحكاياته الطريفة في اجازة كل اسبوع.

الحقيقة اني لا املك اجابة على تساؤلاتها. كل مااملكه هو تذكرة السفر. وكل مااعرفه اني سأغادر ولن اعود، وان القارة التي اعيش فيها، او اتوهم العيش فيها، ستتغير، او ستختفي، وان الطائرة ستحملني من مجهول الى مجهولاً آخر. 

اتفقنا أخيراً ان نلتقي مطار بورتلند وان ننظر الى كلانا للمرة الأخيرة. كنت اريد ان اراها قبل ان اغادر لكي اتأمل عينيها الساحرتين ، ولكي ازرع بعض من احلامي التائهة في حجابها الملون، ولكي اعانقها ولو في الهواء. 

في طريقها للمطار، كانت تحاول ان تقنع قلبها بأن هنالك احتمالات اخرى، بأن تتعطل الطائرة، بأن يغلق المطار، بأن تكون هناك عاصفة تمنع الرحلة، بأن انسى جواز سفري واخيراً بأن يمنعني مسؤول الهجرة من المغادرة!

اجتمعنا اخيراً في كافي صغير في المطار. كانت ترتدي نفس الحجاب الملون الذي كانت تلبسه في اول لقاء لنا. كانت حزينة جداً وكُنت حزينا لحزنها. جلست اتأمل عينيها الجميلتين التي سحرتني طوال الخمس سنوات. جلست انظر الى وجهها الجميل الناعم الذي يأسرني دائماً.
وأما (هي) فكانت تحاول ان تنظر للأسفل، فقط لكي تخفي الدموع التي تلاحق عينيها. 
كان الوقت حينها يشبه جزاراً يحسب الدقائق لينهي على ضحيته. 

نظرت لساعتي بهدوء،، ثم اقتربت منها اكثر وأكثر، 
حاولت اعانقها بقوة وأن اهمس في عينيها: "اني احبك جداً"
ثم ادركت حينها، وفي أخر لحظة، بأنها كانت مجرد حلم، وأن الطائرة هناك تنتظرني، لتأخذني من عالم الاحلام الى عالم الحقيقة. 

شعرت بالصدمة، رغم اني كنت اعلم منذ البداية انها كانت مجرد حلم . لكن لا ادري، كنت اطلب من الله بأخلاص تام في السنوات الماضية ان يحدث معجزة ما، وأن يجعلها حقيقة، او ان يجعلني اعيش في عالم الاحلام لفترة ابدية!

اخذت تذكرة السفر، ومشيت ببطئ، وكانت بورتلند من ورائي تختفي، وتختفي معها ذكرياتي الجميلة والحزينة، والسعيدة. نظرت للخلف للمرة الأخيرة وقلت وداعاً للمدينة التي عانقتني لمدة خمس سنوات، وللحلم الذي جعلني اطير في السماء والأرض. 

"أشدُّ من الماء حزناً..
تغربت في دهشة الموت عن هذه اليابسه..
أشدُّ من الماء حزناً ..
وأعتى من الريح توقاً إلى لحظة ناعسه..
وحيداً. ومزدحما بالملايين،خلف شبابيكها الدامسه.."