السبت، 1 مايو، 2010

انا والزهور الثلاثة

أنا لا املك الا ثلاثة عمات ، الأولى ماتت، والثانية ماتت والثالثة، فقدت ذاكرتها!

اتذكر العمة الأولى وانا صغير، كانت غرفتها مصدرالعشق والحنان. أتذكرها وهي تنظر الينا ونحن صغار بحنان كبير، كانت تخبئ في غرفتها علب من الشوكلاته والبسكويت،، حتى اذا زرناها في ذلك الحين، تمنحنا كرتون كامل من الشوكلاته، وكانت لا تغضب ابداً وكنت اتعجب كثيراً من هذا الحنان والحب الذي ينبعث بشكل متكرر من قلبها. الحقيقة اني كنت احلم ان احظنها او انام على اكتافها ولو ليلة واحدة. ولكنها ماتت رحمها الله ومات حلمي معها! 
الحقيقة اني لم ابكي عليها عندما ماتت،، لأني كنت صغيراً في ذلك الوقت وكنت كلما اسئل امي عنها، تخبرني انها تسكن في الجنة... في غرفة ممتلئة بأنواع كثيرة من الشوكلاته والبسكويت! 


أما العمة الثانية، فكانت هادئة جداً،، وكانت تنظر الينا وكأننا ابناءها او اخر ماتملك في هذه الدنيا،، الحقيقة اني لم ازرها بشكل مستمر،، رغم ان بيتها لا يبعد الا٥ دقائق عن بيتنا، والأن بعدما رحلت، اشعر بالذنب والتقصير،،، زرتها اخر مرة قبل ان تموت، والحقيقة انني كدت ان اموت من البكاء حينما شاهدتها. كانت على كرسي متحرك وكانت تحرك يدها الى اجزاء عديدة من جسمها وهي تقول: " اشعر بالألم هنا، وهنا وهنا وهنا" كان الألم سكيناً يقطع جسمها حتى ماتت. عندما ماتت كنت في سن الإدراك،، كنت ادرك مامعنى ان الانسان يموت! وماذا يعني ان نحفر له حفرة وندفنه فيها! لكني رغم ذلك لم ابكي كثيراً،،، بكيت مرة حينما رأيت قبرها، وثانية حينما تذكرت صوتها وهي تخبرني عن الالامها، وثالثة حينما كنت اقرأ الفاتحة على روحها. لم ابكي لأني كنت اشعر بأن الموت اراحها من الالامها،، من الالام الأدوية،، من الكرسي المتحرك! من نظرت الشفقة التي ينظر اليها من حولها! 


أما العمة الثالثة، فكنتُ متعلق كثيراً في ابتسامتها، وكنت اعلم بأن الزمن هنا يأخذ ولا يمنح، ولهذا كنت احاول الاتصال بها بشكل مستمر حتى وانا في امريكا.   كنت اشعر بسعادة كبيرة حينما اسمع صوتها، وكنت في كل مرة اتصل بها، اخبرها عن حجم شوقي لها. كنت أحاول ان اعبر عن مشاعري بأبسط اللغات وأصدقها.
اتصلت بها اخر مرة قبل ٣ سنين، كانت (هي) في ذلك الحين على وشك ان تفقد جزء من ذاكرتها. اتذكر محادثتي الاخيرة معها على التلفون،، كانت تسألني عن اسمي كل ٣ دقائق،، ثم اجلس لدقيقتين اخبرها بأني "انا مرتضى، ابن اخوك" ثم تتذكرني فجأة وتعتذر بصوت حزين. بكيت حينها وانا اضع السماعة في اذني.
بعدها بشهور، فقدت عمتي ذاكرتها تماماً بسبب الادوية التي يمنحها دكاترة المستشفى حسب مزاجهم النفسي!على اية حال، لا اظن انها ستتذكرني الان، لكنني سوف ازورها فور عودتي للسعودية، وسأقبل يدها، وسأحكي لها جميع ذكرياتي هنا في بورتلند.

حسناً ايها الأحباء،،، هذه هي حكايتي مع الزهور الثلاثة،،
أنني في لحظات عديدة أشعر ان الوقت يسلبني كل ما املك،، وانا لا اعترض على ذلك! هذه هي حكمة الدهر، لكنني ايها الاعزاء تعلمت درسي الاولى وانا في سن العشرين،،، ان الحياة لجمالها المتناهي قصيرة ولأنها قصيرة، فأنها لا تستحق مثلاً ساعات الغضب والتحسر التي نشعر بها دائماً،، لا تستحق مثلاً ان اغضب على صديق او قريب،،
 اذا كان الناس هنا يرحلون،، دون اي سابق انذار،،، فكل مااتمناه هو ان يرحلون وهم يحملون اجمل الذكرى عني! هذا كل مااتمناه في حياتي!  

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

مؤثر جدا