الثلاثاء، 12 يونيو، 2012

ذكرى ٥

الأربعاء، ١٣ يونيو ٢٠١٢
الساعة ٧ صباحاً 


تستيقظ هي على صوت منبه الجوال في  الصباح الباكر. تفتح عينيها الناعمتين ببطئ، وتتحرك معهما أحلامها الجميلة. تبتسم، لرسالة الجوال المعتادة ( هل انت مسيتقظة الآن؟) هذه تكون اول رسالة تقرأها له قبل كل شيء. 
يريد هو ان يطمئن قلبه  بأنه الوحيد الذي تراه، وتفكر فيه فور اسيتقاظها من النوم، اصبحت رسالته في كل صباح فاصلاً زمنياً. متى اخبرتني عن تلك الذكرى؟ قبل أو بعد رسالتك الصباحية!
تطرق الباب اختها الصغيرة، وهي تبكي، تحتضنها هي بسرعة،
هذا هو المشهد الذي اعشق إعادته في مخيلتي الالاف المرات، هذا الحنان الذي ينبعث من قلبهاالساحر، هذا الحضن الذي يبعث في النفس السكينة، هذا الجمال الذي لدقائق معدوة، يجعل تلك الطفلة تبتسم. 
أصبحت أبتسامتها شكلاً من أشكال الطبيعة الخلابة، واصبحت غرفتها حديقة عشق. هناك رسائلي الطويلة، في الطاولة، بضع من الهدايا، الكتب المبعثرة في كل اتجاه في غرفتها، تحكي نقاشاتنا الطويلة التي لا تنتهي. 




الاثنين، 20 فبراير، 2012

ذكرى ٤

٢٠ فبراير ٢٠١٢
الساعة الثانية مساءاً
منطقة الأنتظار، محطة القطار، الرياض


جلس صامتاً في إحدى مقاعد الأنتظار، ثم اخرج من حقيبته الكتاب الذي حاول أن ينهي قراءته منذو فترة، وقبل ان يبدأ القراءة، تخيل الروائي الرائع عبد الرحمن منيف وهو يقول له: “لا يستطيع الرجل ان يفكر باتزان إذا لم تكن المرأة قريبة منه إن عقله يختل،ويصرف وقتاً طويلا في حل امور صغيرة” 
أبتسم للمقعد الذي بجانبه، وجلس يفكر طويلاً في تلك الأنثى التي سلبت عقله وقلبه. تذكر ابتسامتها الساحرة وهي تتأمل السماء، تذكر آخر عشر كلمات قالتها في آخر لقاء له معها، تذكر صوتها الهادئ، انفاسها الملائكية، وحكاياتها الجميلة التي لا تنتهي. 
 أخبرها ذات مرة، أنه يفقد توازنه كثيراً كلما ابتعد عنها. كان ينظر إليها كلما اراد ان يستعيد وعيه الكامل، وكانت ابتسامتها كافية لتعيد إليه طفولته وأحلامه. 

سألها :متى يبدأ عمر الأنسان؟ منذو ولادته ام منذو اللحظة الأولى التي يشعر فيها بأنسانيته؟
سألته : متى يشعر الإنسان بأنسانيته إذاً؟ 

أجابها: منذو اللحظة الأولى التي تسرق قلبه امرأة ساحرة مثلك. 

في لحظات سريعة، رأى عبدالرحمن منيف وهو يمشي بعيداً ، حتى اختفى أثره. التفت يميناً ، ثم رأى في مقعده رسالة: 
“كما قلت لك : ( قلب الرجل لا يخلو من امرأة ) , قد تكون امرأة حية أو ميتة, قد تكون زوجة أو صديقة, وقد تكون شيئًا آخر. دائمًا توجد امرأة. أمّا إذا رأيت رجلاً ليس في قلبه امرأة فتأكّد أن ما تراه ليس رجلاً, إنه جثّة تريد قبرًا.” 




الخميس، 26 يناير، 2012

قراءتي في رواية السجينة


إن التجربة التي خضتها داخل السجن كانت أغنى ألف مرة من تجارب آخرين خارجه. لقد اختبرت الوجه الآخر للحياة من ألم وخوف، ورعب، ومعاناة، وجوع، وبرد.. تعلمت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت. وتأملت ملياً في الخلق والكون. واكتشفت نفسي ومن أكون وأيضاً ما أكون.. علمني السجن أن الأنسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل. (رواية السجينة)
أنتهيت من قراءة رواية السجينة (لميشيل فيتوسي) قبل اسابيع بعد ان أدخلتني الرواية في عالمها المأساوي الحزين. جلست لفترة طويلة أتخيل نفسي  في داخل السجن وأنا أتأمل جدرانه الأربعة! ماذا يعني ان تكون سجيناً، وأن يتقلص كل هذا الكون وجماله امامك ولا ترى منه سوى ضوء الشمس الذي يهرب اليك من نافذة صغيرة وشبه مغلقة! وماذا يعني أن تكون في عزلة تامة عن الوقت، فينعدم أثره عليك فيتساوى النهار والليل والضوء والظلمة! 

رواية السجينة تحكي  سيرة عائلة الجنرال المغربي " أوفقير" التي تحولت فجأة من النعيم الباذخ إلى العذاب والجحيم بسبب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الجنرال أوفقير والتي انتهى مصيره فيها بطلقات تخترق جسده. بعدها قام الملك الحسن الثاني بسجن عائلة اوفقير وتعذيبها ومسخ أنسانيتها لأكثر من إحدى عشر عاماً.

حقاَ تجربة السجن من أصعب التجارب التي يخوضها الأنسان في حياته. اولئك الذين يخرجون منه أحياء، وحدهم القادرون على البوح بأسراره. وهكذا فعلت (مليكة اوفقير) عندما فصحت عن السر الأول للسجن :(لقد اختبرت الوجه الآخر للحياة من ألم وخوف، ورعب، ومعاناة، وجوع، وبرد.. تعلمت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت. وتأملت ملياً في الخلق والكون. واكتشفت نفسي ومن أكون وأيضاً ما أكون.. علمني السجن أن الأنسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل.)


بعض المقاطع التي أعجبتني من الرواية:


كنت أحب الأميرة وتحبني. وفي القصر كانوا يظهرون لي الكثير من العاطفة والأهتمام. ولكن هذا ماكان ليعوض النقص الذي أشعر به من جراء ابتعادي عن أهلي. كان من الصعب علي أن أعيش بلا ماضٍ، وأن اقتلع ذاكرتي وأرضى بأن أكون مجرد رقم يضاف إلى كل تلك الحروف. 

بماذا تحلم الصبايا عادة؟ بالحب؟ لعل معظمهن يفعلن هذا! لكنني كنت أحلم بالأضواء. 

علمتني الحياة أننا لا نبني الكون ونعمره بالتصنع، والتملق، والزيف، والنفاق، ولا بالمواقع، والمراكز، والمال والغنى، فكل هذا زائل وفانٍ لا محال. 

إذا كان المنفى مؤلماً لجميع، فقد كان لي أنا أكثر ألماً. كنت الوحيدة التي تنبأت بأنه لن يكون هنالك من شيء عابر ومؤقت.

إذا كان هذا الطفل الصغير في غاية الأستياء مما نحن فيه من بؤس، ويحلم بغد أفضل، فأقصى مابدأنا نطمح إليه هو بيت عادي لكنه نظيف وأرضه ليست مفروشة بالحصى والرمل. ترى بماذا يفكر الباقون وبماذا يشعرون؟

عبد اللطيف هو الوحيد الذي ليس عنده مايقوله، لأن وعيه تفتح هنا بين قضبان السجن. مع السنوات والأيام، وبلا وعي، بدأنا بتحوير وتبديل ذكرياتنا، هنا ننقص، هناك نزيد، ونغير علنا بهذا ننجح بإضفاء بعض التجديد. أحياناً كانت تختلط الأمور علينا ونروح نسرد ذكريات بعضنا وننسبها لأنفسنا، كنا نتبادل الأدوار. كنا نكافح ونناضل ضد السقوط في الهاوية السحيقة التي كان يشدنا إليها الملل والفراغ.

الحرية زائد الأمل تساوي الحياة، العبودية زائد اليأس تساوي الفراغ والعدم. في غمرة حزني كنت أسمع صوتاً خفيفاً يهمس لي: انهضي، واخلعي ثوب اليأس عنك... مازال أمامك درب شائك وطويل من المقاومة والتحدي. وهذا ماكان يعيد دائماً النشاط الى شجاعتي المتهالكة

كانت لدي قناعة راسخة بأن هنالك حدوداً لكل شيء في حياة الإنسان، بما في ذلك المعاناة والألم. لكنني في بير جديد تبين لي أنني كنت مخطئة.

صرنا سجناء ليلاً ونهاراً، أقاموا الحواجز بيننا، منعونا من أي اتصال، وأخذت معاملتهم تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، انتزعوا منا بصيص الضوء الأخير، حرمونا تواصلنا ولقائنا العائلي، أصبحنا مجرد أرقام ليس إلا. أضحت الزنزانة عالمنا النهائي المفروض ومقرنا الوحيد الإجباري. حتى مقاييس الزمن تغيرت، لم يعد هنالك قيمة للوقت. إنها مرحلة الفراغ والعدم.

مع الأيام بدأ يتكشف تدريجياً بأننا كنا تحت رحمة مخطط إجرامي يستهدف تعذيبنا والإجهاز علينا. لم نكن سجناء فحسب. الأمر أبعد من ذلك، لأن المطلوب هو تفريغنا من محتوانا، وتحويلنا إلى أشكال بشرية شوهاء. لكن عروقنا ظلت نابضة، فبالرغم من أننا كنا الضحية، إلا أننا لم نستسلم أبداً، وحاولنا قلب الطوالة على جلادينا بوسائل بدائية فطرية زودنا بها رب السماء. غريزة البقاء كانت في أوجها، وتملي علينا أفكاراً وفنوناً، كي نصمد، ونستمر


كانت حرمتنا منتهكة، وخصوصيتنا مغتصبة، كانوا يحصون علينا أنفاسنا. نعيش تحت رحمة أنظارهم. نغتسل، ونذهب إلى الحمام، ونتأوه من الألم، ونرتعش من الحمى،، كل هذا نتقاسمه معهم. الليل وحده كان يلفنا بغلالته السوداء ويسترنا من نظراتهم الفتاكة. عندها نستسلم صاغرين لأحزاننا التي تجتاحنا كالسيل الجارف، فنبكي، ونبكي، حتى تجف دموعنا.


غالباً ما كنا نتحدث فيما بيننا عن موضوع الجنس، كنا بحاجة ماسة إلى تعويض هذا النقص والتنفيس بأي طريقة. مع الزمن، يزول حاجز الحياء بين الأهل والأولاد تدريجياً. كنا نقول كل مايمر برأسنا من أفكار بعيداً عن العيب والمحرمات. بعد مضي ست سنوات خلف قضبان السجن تحولنا إلى وحوش، لا تتورع عن ارتكاب المعاصي وانتهاك الحرمات. 

الهلوسات التي كانت تنتابنا لم تكن فقط جنسية، بل كانت إجرامية، وصلت إلى حد التفكير بالقتل. كنا أحياناً نقول: من أجل الطعام قد نضطر يوماً إلى ارتكاب مجزرة إذا لزم الأمر.

تبادلنا النظرات أنا وماريا وميمي، اعتقدنا أنها ماتت. كانت عيوننا مليئة بدموع لم تشأ أن تتساقط بالرغم من يأسنا، كنا سعداء من أجلها، لأنها لن تتألم بعد اليوم. 

كنت أعمل باستماتة، لم تعد الملعقة تكفيني، لو تسنى لي أن انزع الأرض بأسناني لفعلت. كنت أحفر، وأفرغ. تعطل تفكيري، وانسلخت عن الوجود، غدوت كآلة متحركة. أحفر، وأفرغ التراب، وأحفر، وأفرغ التراب... كطاحونة هوائية لا تتوقف عن الدوران.

لا أدري بعدها كيف تابعت إزالة واقتلاع ماتبقى من أعشاب، وأنا أبكي، والدموع تغطي وجهي. يا إلهي ما أجملها من لحظة، وما أربها أيضاً! أن تستعيد حريتك المسلوبة، بعد كل هذا المخاض المرير الدامي، كنت مكتوفة الأيدي يتملكني شعوران من الخشية والفرح.

هنا إذن، بددنا إحدى عشرة سنة من عمرنا، وخسرنا شبابنا وصحتنا، وأحلامنا، وآملنا. في معسكر الموت هذا، كنا ننتظر بفارغ الصبر النهاية التي لم تعرف طريقها إلينا. إنه الجحيم المستعر الذي ذقنا في أتونه حسرات الموت والعذاب. نبذونا بين حممه وأغلقوا علينا الأبواب. أطربوا آذانهم بصرخاتنا، واستغاثاتنا، ومتعوا أعينهم بآلمنا ومعاناتنا. لم تأخذهم بنا رحمة أو شفقة. ياللحقد كم أعمى قلوبهم! يالجورهم وتعسفهم!

من كان في سننا، لا شك أنه ينوء بعدد لا بأس به من الخطايا، أما أنت، فإنك مازلت برعماً صغيراً، يرفل بالنقاء والطهارة.. لم تر شيئاً بعد من الدنيا ولم تمسك بلوثتها الشرور.. إذا كان الله فعلاً موجوداً، ستأخذه الشفقة بك.. وحينها ستكون أنت من يخرجنا من هذا المأزق، ويوصلنا إلى الحرية.

تساءلت في نفسي بحيرة: إذن، أهذه هي الحياة؟.. أهذه هي الحرية؟ إنهم إيضاً مساجين مثلما كنت أنا...

لقد تغيرنا كثيراً، ربما لهذا لم تعرف هويتنا على الفور. ليس فقط بسبب الملابس الجديدة. إن تلك الأيام الأربعة من الحرية أعادت إلى أعيننا بريق الحياة الذي طالما اعتقدنا أنه أنطفأ إلى الأبد. لقد كنا في الضفة الأخرى، خارج الجدران، في حين كانت ماتزال هناك تتجرع العلقم. كانت أمي تضع غطاء على رأسها.

أيها السادة، خذوا علماً أننا لم نكن بحاجة إلى سواعد مفتولة، لكي نثور ونتمرد ونهرب من ناركم وجحيمكم. كان يلزمنا خمسة عشر عاماً من السجن فقط من المعاناة المريرة والمعاملة اللاإنسانية، وخمسة عشر عاماً فقط من الجوع، والبرد، والخوف، والحرمان. أما فيما يخص الذكاء فاعلموا أن الفضل يعود لكم، لقد منحتمونا خمسة عشر عاماً من التحامل كيف ينضج ذكاؤنا ويثمر. ألف شكر لكم.

غالباً ما كنت أقع أسيرة موجة غامرة من الاكتئاب، يرافقها بلبلة واضطراب، وكأنني عدت مراهقة مرة أخرى. إنني في الرابعة والثلاثين، مازال يعذبني الشعور بالفراغ العاطفي والوحدة. أشعر بيأس. إنني بحاجة ماسة للحب كأي فتاة من بنات جنسي. كم وكم أقضي من ساعات في غرفتي وحيدة أبكي.

أي معايير أخلاقية غريبة تلك التي تبيح له أن يفرض، خلال خمسة عشر سنة، كل هذه الأهوال والويلات على أطفال أبرياء؟ هل هناك في العالم قانون يقضي بإنزال العقاب بذرية المجرم؟

أحياناً أشبه نفسي بطفل ظل طوال حياته يشاهد مدينة الملاهي والألعاب دون أن يتمكن من الانضمام إلى جمهرة الأطفال المحتفلين.. لم أعش أبداً في قلب الحدث، كنت دوماً في الهامش.. ولكن هل يعني هذا أن حياة الأسر والاعتقال كانت خالية وخاوية؟ لا، بالطبع لا، إن التجربة التي خضتها داخل السجن كانت أغنى ألف مرة من تجارب آخرين خارجه. لقد اختبرت الوجه الآخر للحياة من ألم وخوف، ورعب، ومعاناة، وجوع، وبرد.. تعلمت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت. وتأملت ملياً في الخلق والكون. واكتشفت نفسي ومن أكون وأيضاً ما أكون.. علمني السجن أن الأنسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل.

إن الكراهية تنهش الروح.. وتضعضع الجسد.. إنها لا تجدي نفعاً، ولن تعيد إلى الذي مضى.. ولا عمري الذي ضاع سدى.. ولن تعوض خسائر عائلتي، ولن تبلسم جراح أمي وإخوتي.. الكراهية مدمرة...قاتلة..فتاكة.. ونحن نريد أن نحيا بسلام هذه السنوات المعدودة.. وقبل فوات الأوان..



الأحد، 6 نوفمبر، 2011

الأحد، 28 أغسطس، 2011

قراءة في كتاب منهج التعرف على الإسلام


 قرأت كتاب منهج التعرف على الاسلام لعلي شريعتي قبل سنتين تقريباً وكتبت بعدها المقاطع التي أعجبتني من الكتاب. حاولت لأكثر من مرة ان اكتب ملخص عن الكتاب لكن وبسبب انشغالي , لم أتمكن من كتابة الملخص. لذلك قررت ان اكتفي بالمقاطع. 


" فالتفكير الصحيح مثل السير في الطريق تماماً. إذ رجل أعرج يسير ببطء على طريق مبلط ومستقيم، وعداء يختار طريقاً وعراً، منحرفاً ومليئاً بالصخور، فمهما ركض سريعاً فسيصل ذلك الأعرج إلى الهدف أسرع منه" ص٩

" لو أن المسلمين اليوم حولوا المسجد إلى مراكز فعالة للبحث والتحقيق، واعتمدوا على هذين الأصلين: القرآن والتاريخ، في إعداد برنامج التوعية الجماهيرية لأمكنهم ذلك من بناء القاعدة الأساسية لأكبر نهضة إسلامية وفكرية" ص ١٦

" أني أعتقد بأن أهم عمل وأوجب مسؤولية وألزم وظيفة علينا اليوم، هو أن نتحدث بشكل دقيق وعلمي عما نعاني، ونعرف أمراضنا" ص ٣٢

" هناك بعض المدارس الفكرية لا تعتقد بالتاريخ أصلاً، فهي تعتبر التاريخ مجموعة من التنقلات الماضية، والتقلبات الغابرة، ولا تعتبر لها أية قيمة. فأصحاب هذه المدرسة لا تؤمن بفلسفة علم الاجتماع والعلوم الإنسانية وتحمل نظرة سيئة تجاهها، لأنها تؤمن بالفوضى وتعتبر أن سعادة الإنسان وراحته هي في نفي القوانين الإجتماعية" ص ٣٨

" وهناك جماعة أخرى، وهم الماديون، يؤمنون بالجبرية التاريخية، ويعتقدون أن التاريخ والمجتمع- على مدى التاريخ منذ البداية وحتى الآن- أشبه شيء بالشجرة. هذه الشجرة كانت بذرة، ثم انفلقت وفتقت التراب وخرجت من الأرض، ثم صار لها جذور وسيقان وغصون وأوراق، ونمت وأثمرت، كل ذلك حدث حسب قونين جبرية" ص٣٩

" وجماعة ثالثة تقدس أبطال التاريخ والشخصيات الممتازة، مثل جماعية الفاشية والنازية. أو مثل العلماء الكبار أمثال (كارليل) الذي كتب عن حياة نبي الإسلام كتاباً، و(امرسون) وغيرهم، فهؤلاء يعتقدون بأن القوانين مجرد آلة تستخدم، وليس لها دخل في تغيير المجتمع. وكذلك الأفراد العاديون والمتوسطون في المجتمع لا دور لهم في تغيير المجتمع، لأنهم آلة طبيعية بيد من يستخدمهم أيضاً. والعامل الوحيد الذي يقوم بإصلاح المجتمع وتغييره وسوقه إلى الأمام، أو إرجاعه إلى الوراء، هم الشخصيات البارزة" ص٤٠

" أما (كارليل) فيكتب عن حياة النبي محمد فيقول : إن نبي الإسلام محمداً عندما دعا عشيرته الأقربين كذبوه كلهم، كان علي حيذاك غلاماً يبلغ عشر سنوات، فنهض وأجاب دعوة النبي وبايعه وصدقه. وهنا يستنتج كارليل هذه المعادلة حسب نظريته وطريقة تفكيرة فيقول: " عندما التقت يد علي الصغيرة تلك اليد الكبيرة- أي محمد- تغيرت مسيرة التاريخ" ص ٤١

"أن الإسلام هو أول مدرسة اجتماعية تعتبر المصدر الحقيقي، والعامل الأساسي، والمسؤول المباشر عن تغيير المجتمع والتاريخ، ليست الشخصيات المختارة، كما يقول (نيتشه) وليس الأشراف والأرستقراطيون، كما يقول أفلاطون وليس العظماء والقادة كما يقول (كارليل وامرسون) وليس أصحاب الدم الطاهر، كما يقول (الكسيس كارل) وليس المثقفون أو رجال الدين، بل عامة الناس" ص٤٦

" في علم الاجتماع يوجد عاملان، أحدهما يؤكد مسؤولية وحرية الإنسان في تغيير مجتمعه وتطويره، والأخر يشير إلى عامل القوانين الجبرية والقطعية والعلمية الخارجة عن اختيار الأنسان، وهي التي تسير حياة المجتمع على أساس ثابت لا يتغير" ص٤٨

" لماذا يكون المهندس الزراعي أكثر مسؤولية في تنمية مزرعة ما، والقدرة على الاستفادة والانتفاع منها؟ لأن عنده علماً أكثر بقوانين الزراعة والنبات، وبالنتيجة عنده حرية أكثر في تغيير مصير الأشجار والنباتات. وكذلك الإنسان فهو بمقدار ماعنده من المعرفة بالقوانين الاجتماعية والسنن التي تحكم حياة المجتمع، يكون مسؤولاً وذا حرية أكثر في تغيير مصير المجتمع وتطويره" ص ٥٠

الأحد، 26 يونيو، 2011

ذكرى ٣

٢٥ حزيران ٢٠١١
بورتلند، وسط المدينة 
الساعة الثامنة والنصف صباحاً





تستيقظ  (هي) من النوم مبكراً,, تتأمل ساعة الحائط الخشبية وأشعة الشمس التي تداعب عينيها الجميلتين وعلى جدار غرفتها عبارة لمستغانمي مكتوبة بخط يدها: "أيمكن لقلبك أن يحملني عندما يجب أن يخف الحمل!  أيمكن أن نحقق هناك كل الأحلام التي لم تكتمل؟  كم كنت حزينة بعدك " 
هناك.. في طاولتها.. العديد من الكتب المبعثرة والذكريات الجميلة. وبأحضان كل كتاب تلتصق ذكرى هاربة! ورائحة مكان بعيد! وقبلة عشق مفقودة!
كنت انا وهي نلتزم القراءة في سياتل بست بشكل مستمر. هي تجلس في الكرسي المقابل. واما انا فكنت اجلس أمامها مباشرة, اتأمل في جمال هذه الأنثى, وجمال ابتسامتها الساحرة! 
كانت تتوقف بين الحين والآخر لتسمعني العبارات التي اعجبتها من الرواية! وأنا كعادتي أستمع بتركيز و بتأمل شديدين لصوتها الموسيقي الرائع. كانت شفتاها وهي تلقي الكلمات أشبه بوردة حمراء في فصلٍ ربيعي هادئ, ولطالما حلمت بتقبيل تلك الشفتان التان تمنحاني الأحساس  بأنتماء قلبي الى قلبها.

تقوم من سريرها الوردي، تتحرك بضع خطوات، وفي كل خطوة، تصارع النعاس الذي يلاحق عينيها الواسعتين، تتساؤل أحياناً، لماذا بورتلند جميلة بهذا الحد في فصل الربيع؟ ولماذا الأشجار المطلة من نافذتها فضولية لهذه الدرجة؟ 

تخرج من شقتها الصغيرة، وتمشي ببطئ وتأمل. تتأمل الأشجار وهي ترقص، الأوراق وهي تطير في السماء، الطيور التي تحلق شمالاً وجنوباً، بائع العسكريم وهو يتحدث مع الأطفال، ثم ترى في منتصف الطريق شاب يمسك بيد حبيبته، يتبادلان نظرات الحب بجمالٍ كبير. تتوقف (هي) في الطريق وتتذكرني فجأة... تتذكر اللحظة التي لامست يداي بيديها، تتذكر النظرات التي كنا نتبادلها بصمت، والرسائل التي كنتا نتبادلها في مساء كل ليلة. 

تتوقف  من المشي، تعود الى الوراء! إلى أين؟ 

إلى الماضي؟ الى اكواب الكافي؟ الى اخر رسالة ارسلتها إلى جوالها؟ الى آخر عبارة حب تبادلناها بصدق!

الاثنين، 30 مايو، 2011

صراع الأنا بين الحلم واليقظة في رواية الهوية




"ماهي البرهة الدقيقة التي تحول فيها الواقع إلى لاواقع، الحقيقة إلى حلم؟ أين كانت الحدود؟ أين هي الحدود؟" هكذا يتركك كونديرا في موضوع تساؤل وشك بين الحقيقية والحلم, وبين الواقع والاواقع في روايته (الهوية). أنها قصة عشقاً من نوعاً آخر, بين جان مارك والحلم الذي كان يلاحقه وبين شانتال التي كانت في صراع جميل ومحيّر مع الأنا حيث تقول: "أتصرف، نصف الوقت، كخائنة لمؤسستي، وكخائنة لنفسي في النصف الآخر. فأنا خائنة مزدوجة. ولا أعد حالة الخيانة المزدوجة هذه فشلاً، بل إنجازاً. ذلك أني اتساءل كم من الوقت أيضاً سأبقى قادرة على الاحتفاظ بوجهيي الاثنيين؟" وتأخذك شانتال في اصعب نقطة في الصراع فتقول: "أستطيع أن أمتلك وجهين، لكنني لا أستطيع امتلاكهما في الوقت نفسه, معك أستطيع أن أحمل الوجه الذي يسخر، وعندما أكون في المكتب أحمل الوجه الرصين، لكنني أتساءل كم من الوقت أيضاً سأبقى قادرة على الاحتفاظ بوجهي الاثنين؟ إنه أمر منهك, وسوف يأتي يوم لن يكون لي فيه سوى وجه واحد."

 الرواية تأخذك الى تفاصيل مدهشة, ففي أحد اجزاء الرواية, يتحدث جان مارك عن صديقه الذي مات بعد سنوات من القطيعة بينهما ليفصح لك عن معنى فلسفي وجميل للصداقة فيقول: "في نهاية زيارتي له في المستشفى، بدأ يروي ذكريات. ذكرني بما ينبغي أن أكون قد قلته عندما كنت في السادسة عشر. في هذه اللحظة، فقط فهمت المعنى الوحيد للصداقة كما تمارس اليوم. الصداقة ضرورية للإنسان من أجل حسن عمل ذاكرته. ربما كان تذكر المرء لماضيه الذي حمله معه دائماً هو الشرط الضروري لاحتفاظه، كما يقال، بتكامل أناه. من أجل ألا تتقلص هذه الأنا، وحتى تحافظ على حجمها، يجب سقاية الذكريات كما تسقى الزهور في أصيص، وهذه السقاية تقتضي اتصالاً منتظماً بشهود الماضي، أي بأصدقاء، إنهم مرآتنا." 

شانتال هي الأخرى كانت تشعر بالحيرة وفي صراع بين وجود الأنا وفقدانها. تحاول شانتال ان تجد المعنى الحقيقي لهذا العشق, وأن تتجاوز كل الشكوك والحيرة. يقول ميلان في الرواية: "عبثاً ما سيقول لها بأنه يحبها ويجدها جميلة، فلن تستطيع نظرته العاشقة أن تعزيها، لأن نظرة الحب هي نظرة العزلة. كان جان مارك يفكر في العزلة العشقية لكائنين مسنين أصبحا غير مرئيين من الآخرين: عزلة حزينة تستبق صورة الموت. كلا! إن ماتحتاج إليه ليس نظرة حب، بل هو طوفان النظرات المجهولة، الفظة، الشهوانية والتي يلقى بها عليها دون تعاطف، دون اختيار، دون حنان ولا تهذيب، بصورة الزامية ومحتومة، هذه النظرة تُبقيها في مجتمع البشر. أما نظرة الحب فتنزعها منه."

الأجمل من كل هذا هو شعور جان مارك اتجاه شانتال والذي يجعل قصة حبهما مميزة للغاية: "كان جان مارك ينظر إلى شانتال التي أشرق وجهها فجأة بمرح سري، لم يكن يرغب في أن يسألها عن السبب مكتفياً بتذوق متعة النظر إليها. وفي حين كانت تضيع في صورها الغريبة، كان يقول لنفسه إن شانتال هي صلته العاطفية الوحيدة بالعالم. إذا حدثوه عن سجناء، عن مضطهدين، عن جياع، فإنه يعرف الطريقة الوحيدة ليس بنفسه يُمس شخصياً، بصورة مؤلمة، بمصيبتهم: إنه يتخيل شانتال مكانهم، وإذا حدثوه عن نساء مغتصبات خلال حرب أهلية، فإنه يرى، فيهن، شانتال مغتصبة. إنها هي، ولا شخص سواها، التي تحرره من لامبالاته، وهو غير قادر على التعاطف إلا من خلالها."

الرواية هي حبكة مدهشة بين الحلم واليقظة ولهذا يقف القارئ في حيرة عن بداية الحلم ونهايته, هل ابتدأ الحلم بشانتال ام بجان مارك ام بكلاهما! وكيف سينتهي؟

هذه بعض المقاطع التي اعجبتني من الرواية: 


"وصلت من الغرفة المجاورة بضع ضربات مطرقة أيضاًِ. أدار رأسه نحوها كما لو كان يتردد في التدخل. أخذت لنفسها لحظة الانفراد هذه لتحاول أن تفهم: إنها عارية، ولكنهم يواصلون تعريتها! تعريتها من أناها! تعريتها من مصيرها! سوف يتخلون عنها، بعد إعطائها اسماً آخر، بين مجهولين لن تستطيع، أبداً، أن تشرح لهم من هي!"

"ليس للبرجوازية الحق في الحياة، الفن الذي لا تفهمه الطبقة العاملة يجب أن يزول، لا قيمة للعلم الذي يخدم مصالح البرجوازية، الذين يعلمونه يجب أن يطردوا من الجامعة، لا حرية لأعداء الحرية. وكلما زادت الجملة التي كان يتلفظ بها عبثية زاد اعتزازه بها لأن الذكاء الكبير جداً هو، وحده، القادر على حقن الأفكار المجنونة بحس منطقي"

"وفوجئت بأن السفر نحو الزوال لم يكن كئيباً، بل عذباً وفرحاً برعاية ميثولوجيا الوردة لديها"

"أرى رأسين من زاوية جانبية يضيئهما نور مصباح سرير صغير: رأس جان مارك وقد استند إلى وسادة، و رأس شانتال الذي انحنى فوقه على مسافة عشرة سنتيمترات عنه. كانت تقول لن تفلت بعد اليوم من نظري سأنظر إليك دون انقطاع.وبعد وقفة أخاف حين ترف عيني أخاف أن تندس خلال هذه الثانية التي تنطفئ فيها نظرتي مكانك أفعى، جرذ، رجل آخر"