الخميس، 31 مارس، 2016

ذكرى ٧

٣١ مارس ٢٠١٦
فندق الموفنبيك، الرياض
الساعة ٢ والنصف



عزيزتي الساحرة

اشياء كثيرة تحيرني في هذا الكون.اشياء كثيرة لا ادري لماذا  وكيف وأين حدثت!
 منها الصدفة التي جمعتني بك  دون ميعاد! 
كنت لفترة طويلة في حياتي ادعو الله أن يجمعني بأمرأة تنسيني طريق العودة! تجعلني اعيد تركيب الكلمات، تنسج لي من عينيها عالماً آخر، بعيداً عن ضوضاء هذا العالم وأحزانه. 

ثم وجدتك أمامي تماماً في لحظة لا استطيع ان اصف جمالها اطلاقاً!
هل تذكرين اول لقاء لنا! كنت تخفين ابتسامتك الساحرة عني !
 أما أنا ،، كنت حينها غارقاً في جمال هـذه الأنثى التي تقف أمامي صامتة!
اتأمل سحر انفاسها التي تجعل قلبي يتراقص فرحاً. كنت حينها اشكر الله الذي منحني فرصة أخرى للحياة، فرصة أخرى للأمل، فرصة آخرى للسعادة.

 كنت أعلم بأنك الأنثى التي ابحث عنها لسنين طويلة في حياتي، ولهذا كنت سعيداً جداً وخائفاً جداً في أول لقاء لنا.
سعيداً جداً لأني وجدتك أخيراً بعد رحلة بحثاً طويلة جداً وشاقة جداً، وكنت خائفاً  أن تضيع هذه الفرصة من حياتي. لأنك ايتها الساحرة الحدث الكوني الذي لا يتكرر، والأسطورة التي لا تُحكى، والمعجزة التي لا يمكن لها تتجسد امامي مرة أخرى. 

كان جابرييل  ماركيز يقول بأن عمر الأنسان يُقاس ليس بعدد السنين التي يعيشها، بل بنوع مشاعره. وأنا اشعر ياساحرتي بأنك منحتني الخلود الأبدي، و ملايين المشاعر التي لا يتحملها هذا العالم. 

كل منا ياسحرتي يحمل في داخله رسالة من الله الى هذا الكون. البعض يبعثه الله لكي يزرع نخلة في هذه الأرض القاحلة، والبعض الآخر يبعثه الله لكي ينقذ أمة. 
أنت بعثك الله لي، لكي أعيش، لكي تحمي هذا القلب الذي كان في اعمق لحظات اليأس والحزن.

أحبك ، لأنك حلمي الوحيد الذي تحقق، وأمنيتي الأخيرة التي لا تتكرر. أحبك لأنك امرأة تسحرني في كل زمان وفي كل مكان. أحبك لأنك أنثى لا تتكرر في هذا العالم. أحبك ، لكي أعيش.




السبت، 5 سبتمبر، 2015

انا، والعالم


وفي عيد ميلادي، لا زلت أومن بهذه الكلمات. يتقدم العمر، ويتغير العالم، وانا حتى هذه اللحظة ارى ان الحياة ممتعة للغاية، وان تجاربنا في هذا الكون فريدة جداً، وان لكل انسان حكايته الخاصة. لازلت ايها الاصدقاء استمتع بشرب القهوة في الصباح ولازلت استمتع بالحديث مع كل غريب التقي معه في الطريق، ولا زلت احاول ان اتجرد من كل هوية! هل انا من هنا ام من هناك؟ هل انا اعبد الله بالطريقة التي تعبدونه اياه؟ الإجابة لا تهم، المهم انني احاول بكل ما املك ان اكون انسانًا، اشارك هذا العالم احزانه وافراحه. اشكالكم لا تشبهني، ودينكم الذي تؤمنون به يختلف عن ما اؤمن به . لكني ايها الاصدقاء، احبكم. ولا توجد لدي متعة اجمل من الاستماع الى حكاياتكم التي لم تحكوها لأحد.

الأربعاء، 15 أكتوبر، 2014

ذكرى ٦

عزيزتي الساحرة
أتذكرين ذلك المساء الساحر ونحن نمشي معاً بجانب بحيرة بليد؟ أتذكرين ابتسامتي وانا اتأمل عينيك الساحرتين طوال الوقت!
كنا نمشي حتى توقفنا في مقهى الكافي الذي يطل على البحيرة. كانت بليد باردة في تلك الليلة وكنت استدفئ بأنفاسك وانت تتحدثين. أعلم ماذا ستقولينه الأن,, انت مستمع سيء يا مرتضى.. لا لا .. انا لست كذلك.. لكن لا استطيع ان استمع لصوتك دون ان اتراقص فرحاً.. ولا استطيع ان افهم ما تقولينه وعينيك لا تتوقف عن سحري بجمالهما.. 
في طريق العودة.. تمنيت ان اخطفك بعيداً ... ان نعيش معاً في مدينة كهذه.. هادئة وجميلة ،، بالقدر الذي تتسع فيه لأحلامنا...

الأحد، 27 يوليو، 2014

الموتى ونحن


 عزيزتي الغالية، 

زرت مقبرة قريتنا قبل اسابيع، مررت حينها بجانب قبر ابن خالي الذي مات في حادث مؤسف. 
لم أستطع تذكر ملامحه تماماً،
حاولت جاهداً أن أتذكر شيء يجمعني به، ان أستعيد ذكرى واحدة من طفولتا، ان اردد كلمة قالها من قبل. 
لكن لم أتذكر شيء.. 

مع مرور الوقت، ادركت أنه لا يبقى من الموتى شيء .. ربما لوحة مكتوب فيها بخط معوج اسمائهم او رسالة جوال ركيكة يرسلها احدهم مكتوباً فيها ( لا تنسوا المرحوم من قراءة الفاتحة)

وأنا امشي في المقبرة، رأيت قبوراً محفورة، حفرها أحد المتطوعين في القرية، لتكون جاهزة لأي شخص عندما يأتي وقت رحيله من هذه الدنيا. 

جلست اتأمل الحفرة، ومنظرها الموحش، وانا اردد:
"الموت لا يوجع .. الموتى
الموت يوجع .. الأحياء...!"

اشياء كثيرة تدهشني في المقبرة، حالة السكون التي تملأ المكان، الهيبة التي يمتلكها الموتى ولا نمتلكها نحن، والمساواة التي لم نستطع نحن الاحياء ان نحققها حتى الان.
 هناك ، يتساوى كل شيء، الغني، والفقير، التائه والزاهد، المثقف والجاهل. كل القبور تبدو في انسجام تام. 

وانا اغادر المقبرة، رأيت لوحة كبيرة مكتوباً فيها:
(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية) 

الثلاثاء، 12 يونيو، 2012

ذكرى ٥

الأربعاء، ١٣ يونيو ٢٠١٢
الساعة ٧ صباحاً 


تستيقظ هي على صوت منبه الجوال في  الصباح الباكر. تفتح عينيها الناعمتين ببطئ، وتتحرك معهما أحلامها الجميلة. تبتسم، لرسالة الجوال المعتادة ( هل انت مسيتقظة الآن؟) هذه تكون اول رسالة تقرأها له قبل كل شيء. 
يريد هو ان يطمئن قلبه  بأنه الوحيد الذي تراه، وتفكر فيه فور اسيتقاظها من النوم، اصبحت رسالته في كل صباح فاصلاً زمنياً. متى اخبرتني عن تلك الذكرى؟ قبل أو بعد رسالتك الصباحية!
تطرق الباب اختها الصغيرة، وهي تبكي، تحتضنها هي بسرعة،
هذا هو المشهد الذي اعشق إعادته في مخيلتي الالاف المرات، هذا الحنان الذي ينبعث من قلبهاالساحر، هذا الحضن الذي يبعث في النفس السكينة، هذا الجمال الذي لدقائق معدوة، يجعل تلك الطفلة تبتسم. 
أصبحت أبتسامتها شكلاً من أشكال الطبيعة الخلابة، واصبحت غرفتها حديقة عشق. هناك رسائلي الطويلة، في الطاولة، بضع من الهدايا، الكتب المبعثرة في كل اتجاه في غرفتها، تحكي نقاشاتنا الطويلة التي لا تنتهي. 




الاثنين، 20 فبراير، 2012

ذكرى ٤

٢٠ فبراير ٢٠١٢
الساعة الثانية مساءاً
منطقة الأنتظار، محطة القطار، الرياض


جلس صامتاً في إحدى مقاعد الأنتظار، ثم اخرج من حقيبته الكتاب الذي حاول أن ينهي قراءته منذو فترة، وقبل ان يبدأ القراءة، تخيل الروائي الرائع عبد الرحمن منيف وهو يقول له: “لا يستطيع الرجل ان يفكر باتزان إذا لم تكن المرأة قريبة منه إن عقله يختل،ويصرف وقتاً طويلا في حل امور صغيرة” 
أبتسم للمقعد الذي بجانبه، وجلس يفكر طويلاً في تلك الأنثى التي سلبت عقله وقلبه. تذكر ابتسامتها الساحرة وهي تتأمل السماء، تذكر آخر عشر كلمات قالتها في آخر لقاء له معها، تذكر صوتها الهادئ، انفاسها الملائكية، وحكاياتها الجميلة التي لا تنتهي. 
 أخبرها ذات مرة، أنه يفقد توازنه كثيراً كلما ابتعد عنها. كان ينظر إليها كلما اراد ان يستعيد وعيه الكامل، وكانت ابتسامتها كافية لتعيد إليه طفولته وأحلامه. 

سألها :متى يبدأ عمر الأنسان؟ منذو ولادته ام منذو اللحظة الأولى التي يشعر فيها بأنسانيته؟
سألته : متى يشعر الإنسان بأنسانيته إذاً؟ 

أجابها: منذو اللحظة الأولى التي تسرق قلبه امرأة ساحرة مثلك. 

في لحظات سريعة، رأى عبدالرحمن منيف وهو يمشي بعيداً ، حتى اختفى أثره. التفت يميناً ، ثم رأى في مقعده رسالة: 
“كما قلت لك : ( قلب الرجل لا يخلو من امرأة ) , قد تكون امرأة حية أو ميتة, قد تكون زوجة أو صديقة, وقد تكون شيئًا آخر. دائمًا توجد امرأة. أمّا إذا رأيت رجلاً ليس في قلبه امرأة فتأكّد أن ما تراه ليس رجلاً, إنه جثّة تريد قبرًا.” 




الخميس، 26 يناير، 2012

قراءتي في رواية السجينة


إن التجربة التي خضتها داخل السجن كانت أغنى ألف مرة من تجارب آخرين خارجه. لقد اختبرت الوجه الآخر للحياة من ألم وخوف، ورعب، ومعاناة، وجوع، وبرد.. تعلمت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت. وتأملت ملياً في الخلق والكون. واكتشفت نفسي ومن أكون وأيضاً ما أكون.. علمني السجن أن الأنسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل. (رواية السجينة)
أنتهيت من قراءة رواية السجينة (لميشيل فيتوسي) قبل اسابيع بعد ان أدخلتني الرواية في عالمها المأساوي الحزين. جلست لفترة طويلة أتخيل نفسي  في داخل السجن وأنا أتأمل جدرانه الأربعة! ماذا يعني ان تكون سجيناً، وأن يتقلص كل هذا الكون وجماله امامك ولا ترى منه سوى ضوء الشمس الذي يهرب اليك من نافذة صغيرة وشبه مغلقة! وماذا يعني أن تكون في عزلة تامة عن الوقت، فينعدم أثره عليك فيتساوى النهار والليل والضوء والظلمة! 

رواية السجينة تحكي  سيرة عائلة الجنرال المغربي " أوفقير" التي تحولت فجأة من النعيم الباذخ إلى العذاب والجحيم بسبب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الجنرال أوفقير والتي انتهى مصيره فيها بطلقات تخترق جسده. بعدها قام الملك الحسن الثاني بسجن عائلة اوفقير وتعذيبها ومسخ أنسانيتها لأكثر من إحدى عشر عاماً.

حقاَ تجربة السجن من أصعب التجارب التي يخوضها الأنسان في حياته. اولئك الذين يخرجون منه أحياء، وحدهم القادرون على البوح بأسراره. وهكذا فعلت (مليكة اوفقير) عندما فصحت عن السر الأول للسجن :(لقد اختبرت الوجه الآخر للحياة من ألم وخوف، ورعب، ومعاناة، وجوع، وبرد.. تعلمت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت. وتأملت ملياً في الخلق والكون. واكتشفت نفسي ومن أكون وأيضاً ما أكون.. علمني السجن أن الأنسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل.)


بعض المقاطع التي أعجبتني من الرواية:


كنت أحب الأميرة وتحبني. وفي القصر كانوا يظهرون لي الكثير من العاطفة والأهتمام. ولكن هذا ماكان ليعوض النقص الذي أشعر به من جراء ابتعادي عن أهلي. كان من الصعب علي أن أعيش بلا ماضٍ، وأن اقتلع ذاكرتي وأرضى بأن أكون مجرد رقم يضاف إلى كل تلك الحروف. 

بماذا تحلم الصبايا عادة؟ بالحب؟ لعل معظمهن يفعلن هذا! لكنني كنت أحلم بالأضواء. 

علمتني الحياة أننا لا نبني الكون ونعمره بالتصنع، والتملق، والزيف، والنفاق، ولا بالمواقع، والمراكز، والمال والغنى، فكل هذا زائل وفانٍ لا محال. 

إذا كان المنفى مؤلماً لجميع، فقد كان لي أنا أكثر ألماً. كنت الوحيدة التي تنبأت بأنه لن يكون هنالك من شيء عابر ومؤقت.

إذا كان هذا الطفل الصغير في غاية الأستياء مما نحن فيه من بؤس، ويحلم بغد أفضل، فأقصى مابدأنا نطمح إليه هو بيت عادي لكنه نظيف وأرضه ليست مفروشة بالحصى والرمل. ترى بماذا يفكر الباقون وبماذا يشعرون؟

عبد اللطيف هو الوحيد الذي ليس عنده مايقوله، لأن وعيه تفتح هنا بين قضبان السجن. مع السنوات والأيام، وبلا وعي، بدأنا بتحوير وتبديل ذكرياتنا، هنا ننقص، هناك نزيد، ونغير علنا بهذا ننجح بإضفاء بعض التجديد. أحياناً كانت تختلط الأمور علينا ونروح نسرد ذكريات بعضنا وننسبها لأنفسنا، كنا نتبادل الأدوار. كنا نكافح ونناضل ضد السقوط في الهاوية السحيقة التي كان يشدنا إليها الملل والفراغ.

الحرية زائد الأمل تساوي الحياة، العبودية زائد اليأس تساوي الفراغ والعدم. في غمرة حزني كنت أسمع صوتاً خفيفاً يهمس لي: انهضي، واخلعي ثوب اليأس عنك... مازال أمامك درب شائك وطويل من المقاومة والتحدي. وهذا ماكان يعيد دائماً النشاط الى شجاعتي المتهالكة

كانت لدي قناعة راسخة بأن هنالك حدوداً لكل شيء في حياة الإنسان، بما في ذلك المعاناة والألم. لكنني في بير جديد تبين لي أنني كنت مخطئة.

صرنا سجناء ليلاً ونهاراً، أقاموا الحواجز بيننا، منعونا من أي اتصال، وأخذت معاملتهم تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، انتزعوا منا بصيص الضوء الأخير، حرمونا تواصلنا ولقائنا العائلي، أصبحنا مجرد أرقام ليس إلا. أضحت الزنزانة عالمنا النهائي المفروض ومقرنا الوحيد الإجباري. حتى مقاييس الزمن تغيرت، لم يعد هنالك قيمة للوقت. إنها مرحلة الفراغ والعدم.

مع الأيام بدأ يتكشف تدريجياً بأننا كنا تحت رحمة مخطط إجرامي يستهدف تعذيبنا والإجهاز علينا. لم نكن سجناء فحسب. الأمر أبعد من ذلك، لأن المطلوب هو تفريغنا من محتوانا، وتحويلنا إلى أشكال بشرية شوهاء. لكن عروقنا ظلت نابضة، فبالرغم من أننا كنا الضحية، إلا أننا لم نستسلم أبداً، وحاولنا قلب الطوالة على جلادينا بوسائل بدائية فطرية زودنا بها رب السماء. غريزة البقاء كانت في أوجها، وتملي علينا أفكاراً وفنوناً، كي نصمد، ونستمر


كانت حرمتنا منتهكة، وخصوصيتنا مغتصبة، كانوا يحصون علينا أنفاسنا. نعيش تحت رحمة أنظارهم. نغتسل، ونذهب إلى الحمام، ونتأوه من الألم، ونرتعش من الحمى،، كل هذا نتقاسمه معهم. الليل وحده كان يلفنا بغلالته السوداء ويسترنا من نظراتهم الفتاكة. عندها نستسلم صاغرين لأحزاننا التي تجتاحنا كالسيل الجارف، فنبكي، ونبكي، حتى تجف دموعنا.


غالباً ما كنا نتحدث فيما بيننا عن موضوع الجنس، كنا بحاجة ماسة إلى تعويض هذا النقص والتنفيس بأي طريقة. مع الزمن، يزول حاجز الحياء بين الأهل والأولاد تدريجياً. كنا نقول كل مايمر برأسنا من أفكار بعيداً عن العيب والمحرمات. بعد مضي ست سنوات خلف قضبان السجن تحولنا إلى وحوش، لا تتورع عن ارتكاب المعاصي وانتهاك الحرمات. 

الهلوسات التي كانت تنتابنا لم تكن فقط جنسية، بل كانت إجرامية، وصلت إلى حد التفكير بالقتل. كنا أحياناً نقول: من أجل الطعام قد نضطر يوماً إلى ارتكاب مجزرة إذا لزم الأمر.

تبادلنا النظرات أنا وماريا وميمي، اعتقدنا أنها ماتت. كانت عيوننا مليئة بدموع لم تشأ أن تتساقط بالرغم من يأسنا، كنا سعداء من أجلها، لأنها لن تتألم بعد اليوم. 

كنت أعمل باستماتة، لم تعد الملعقة تكفيني، لو تسنى لي أن انزع الأرض بأسناني لفعلت. كنت أحفر، وأفرغ. تعطل تفكيري، وانسلخت عن الوجود، غدوت كآلة متحركة. أحفر، وأفرغ التراب، وأحفر، وأفرغ التراب... كطاحونة هوائية لا تتوقف عن الدوران.

لا أدري بعدها كيف تابعت إزالة واقتلاع ماتبقى من أعشاب، وأنا أبكي، والدموع تغطي وجهي. يا إلهي ما أجملها من لحظة، وما أربها أيضاً! أن تستعيد حريتك المسلوبة، بعد كل هذا المخاض المرير الدامي، كنت مكتوفة الأيدي يتملكني شعوران من الخشية والفرح.

هنا إذن، بددنا إحدى عشرة سنة من عمرنا، وخسرنا شبابنا وصحتنا، وأحلامنا، وآملنا. في معسكر الموت هذا، كنا ننتظر بفارغ الصبر النهاية التي لم تعرف طريقها إلينا. إنه الجحيم المستعر الذي ذقنا في أتونه حسرات الموت والعذاب. نبذونا بين حممه وأغلقوا علينا الأبواب. أطربوا آذانهم بصرخاتنا، واستغاثاتنا، ومتعوا أعينهم بآلمنا ومعاناتنا. لم تأخذهم بنا رحمة أو شفقة. ياللحقد كم أعمى قلوبهم! يالجورهم وتعسفهم!

من كان في سننا، لا شك أنه ينوء بعدد لا بأس به من الخطايا، أما أنت، فإنك مازلت برعماً صغيراً، يرفل بالنقاء والطهارة.. لم تر شيئاً بعد من الدنيا ولم تمسك بلوثتها الشرور.. إذا كان الله فعلاً موجوداً، ستأخذه الشفقة بك.. وحينها ستكون أنت من يخرجنا من هذا المأزق، ويوصلنا إلى الحرية.

تساءلت في نفسي بحيرة: إذن، أهذه هي الحياة؟.. أهذه هي الحرية؟ إنهم إيضاً مساجين مثلما كنت أنا...

لقد تغيرنا كثيراً، ربما لهذا لم تعرف هويتنا على الفور. ليس فقط بسبب الملابس الجديدة. إن تلك الأيام الأربعة من الحرية أعادت إلى أعيننا بريق الحياة الذي طالما اعتقدنا أنه أنطفأ إلى الأبد. لقد كنا في الضفة الأخرى، خارج الجدران، في حين كانت ماتزال هناك تتجرع العلقم. كانت أمي تضع غطاء على رأسها.

أيها السادة، خذوا علماً أننا لم نكن بحاجة إلى سواعد مفتولة، لكي نثور ونتمرد ونهرب من ناركم وجحيمكم. كان يلزمنا خمسة عشر عاماً من السجن فقط من المعاناة المريرة والمعاملة اللاإنسانية، وخمسة عشر عاماً فقط من الجوع، والبرد، والخوف، والحرمان. أما فيما يخص الذكاء فاعلموا أن الفضل يعود لكم، لقد منحتمونا خمسة عشر عاماً من التحامل كيف ينضج ذكاؤنا ويثمر. ألف شكر لكم.

غالباً ما كنت أقع أسيرة موجة غامرة من الاكتئاب، يرافقها بلبلة واضطراب، وكأنني عدت مراهقة مرة أخرى. إنني في الرابعة والثلاثين، مازال يعذبني الشعور بالفراغ العاطفي والوحدة. أشعر بيأس. إنني بحاجة ماسة للحب كأي فتاة من بنات جنسي. كم وكم أقضي من ساعات في غرفتي وحيدة أبكي.

أي معايير أخلاقية غريبة تلك التي تبيح له أن يفرض، خلال خمسة عشر سنة، كل هذه الأهوال والويلات على أطفال أبرياء؟ هل هناك في العالم قانون يقضي بإنزال العقاب بذرية المجرم؟

أحياناً أشبه نفسي بطفل ظل طوال حياته يشاهد مدينة الملاهي والألعاب دون أن يتمكن من الانضمام إلى جمهرة الأطفال المحتفلين.. لم أعش أبداً في قلب الحدث، كنت دوماً في الهامش.. ولكن هل يعني هذا أن حياة الأسر والاعتقال كانت خالية وخاوية؟ لا، بالطبع لا، إن التجربة التي خضتها داخل السجن كانت أغنى ألف مرة من تجارب آخرين خارجه. لقد اختبرت الوجه الآخر للحياة من ألم وخوف، ورعب، ومعاناة، وجوع، وبرد.. تعلمت ماذا تعني الحياة وماذا يعني الموت. وتأملت ملياً في الخلق والكون. واكتشفت نفسي ومن أكون وأيضاً ما أكون.. علمني السجن أن الأنسان اقوى من الظلم والقهر والطغيان والحرمان والتعذيب والمستحيل.

إن الكراهية تنهش الروح.. وتضعضع الجسد.. إنها لا تجدي نفعاً، ولن تعيد إلى الذي مضى.. ولا عمري الذي ضاع سدى.. ولن تعوض خسائر عائلتي، ولن تبلسم جراح أمي وإخوتي.. الكراهية مدمرة...قاتلة..فتاكة.. ونحن نريد أن نحيا بسلام هذه السنوات المعدودة.. وقبل فوات الأوان..